إنه الغزو، تلك الجريمة التي ارتكبت في بداية هذا القرن في العراق، تتكرر بعد نحو عقد من الزمن، لكن في بلاد الشام والرافدين معاً، تحت العنوان نفسه، الإرهاب، ولكن مع تغيير في اسم العدو ليصبح «داعش» و»نصرة» وما إلى ذلك من حركات تكفيرية. حملة استعمارية جديدة لا بد معها من إعادة تشغيل عداد الضحايا المدنيين الذين أثبتت التجارب التاريخية أن العدد الأكبر من الضحايا يسقطون في صفوفهم وبمئات الآلاف.


غزو جديد يعيد خلط الأوراق في المنطقة ويفرض دينامية خاصة به لعلاقات الأطراف وتغييراً في المعدلات، كان أول تجلياتها اختلاف في المواقف لدى الحلفاء أنفسهم. تمايز ظهرت أولى بوادره بين موقف دمشق، التي بدت وكأنها تحاول التأقلم مع المعطيات الجديدة، ومواقف كل من إيران وروسيا اللتين رأتا أن ما يجري ليس سوى اعتداء على الأرض السورية، لا يمكن القبول به إلا إذا كان بتفويض دولي وبموافقة صريحة من الحكومة السورية. ويبدو أن للأخيرة تقدير موقف خاصاً بها لا يرى في استهداف «داعش» من قبل التحالف الدولي سوى اعتراف منه بأن النظام السوري إنما كان يواجه خلال السنوات الثلاث الماضية مجموعات إرهابية وليس ثورة شعبية كما كانت تدعي بعض الأطراف.

الرئيس الروسي تفقد
قاعدةً تتموضع فيها غواصات تحمل صواريخ «باليستية»

ولعل في سعي إدارة باراك أوباما وحرصها على التواصل مع الحكومة السورية لإبلاغها هذه الضربة ما شجع دمشق على تبنّي هذا الموقف. عملية تواصل تولّاها بشكل أساس مستشار الأمن القومي العراقي فالح الفياض الذي زار العاصمة السورية مرتين، حاملاً رسائل من الأميركيين. وفي لقائه السابق مع الرئيس بشار الأسد، تقول مصادر عراقية مطلعة إن الأخير احتج على أن من يريد محاربة الإرهاب يضرب كل تنظيماته، وفي الحالة السورية «النصرة» و«داعش» معاً وعدم الاكتفاء بهذه الأخيرة.
من لم ينجح في الاستعانة بالقوات الأميركية لضرب النظام السوري العام الماضي، واكب مقاتلاتها راهناً تحت غطاء التحالف الدولي المستجد لـ«مواجهة» تنظيم «داعش»، في آخر فصول الصراع على المشرق العربي، وفي لحظة تاريخية جديدة تعيشها شعوب المنطقة، هي الأهم بعد غزو العراق عام 2003.
وبعدما سارعت الدول العربية الخمس (السعودية، الإمارات، البحرين، قطر، الأردن) إلى تأكيد مشاركتها في سلسلة الغارات والضربات، أعلن البنتاغون أن «الضربات التي وجّهت الليلة الماضية هي مجرد بداية»، وأنها كانت «ناجحة جداً» وستتواصل، فيما قال الرئيس باراك أوباما، في رسالة إلى الكونغرس، إن من المتعذر معرفة كم من الوقت ستستغرقه العمليات التي كان لافتاً اتساع خريطة بنك استهدافاتها لتشمل «جبهة النصرة» وجماعة «خراسان»، إضافة إلى «داعش».
وقد انضمت إلى بوتقة الغزاة إسرائيل أيضاً، إذ نقلت صحيفة «هآرتس» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين تأكيدهم أن واشنطن أخطرت تل أبيب في الساعات الأخيرة بنيتها توجيه ضربات في سوريا.
وبشكل أولي، تقاطعت ضربات الغزاة الجدد مع أهداف الحرب السورية ضد التنظيمات الإرهابية، مع تأكيد الرئيس السوري بشار الأسد أن بلاده «ماضية بكل حزم في الحرب التي تخوضها منذ سنوات ضد الإرهاب التكفيري (...) وهي مع أي جهد دولي يصبّ في مكافحة الإرهاب»، في وقت كانت فيه موسكو وطهران تغردان في واد آخر مع تأكيدهما على أن ما حصل ليس سوى انتهاك للسيادة السورية لا يمكن أن يكون مقبولاً، إلا إذا تم بتفويض دولي وبموافقة صريحة من دمشق.
حصل ذلك بينما كانت سفينة روسية تفرغ حمولة صواريخ مضادة للطائرات في ميناء طرطوس، في وقت كان فيه الرئيس فلاديمير بوتين يتفقد ميناءً على البحر الأسود تتموضع فيه غواصات تحمل صواريخ تستطيع إصابة أهداف على بعد أكثر من 1500 كلم.
رأس الحربة الإقليمية للتحالف الجديد، السعودية، سابَقَ وزير خارجيتها، سعود الفيصل، الوقت ليقول، من نيويورك، «نقف اليوم أمام وضع خطير للغاية. فبعد أن كان الإرهاب خلايا أصبح جيوشاً، وبعد أن كانت مواقعه بؤراً تحولت إلى دول يعبث فيها وفي مقدراتها كيفما يشاء، وأصبح يشكل طوقاً خطيراً يمتد ليشمل كل من ليبيا ولبنان وسوريا والعراق واليمن». وطالب «باتخاذ السياسات والقرارات المصيرية والحازمة لمواجهة هذه الهجمة الشرسة بكل قوة وحزم، والتحرك الجاد والسريع، أخذاً في الاعتبار عنصر الوقت ومغبة التخاذل».
ورأى أن «الحرب على الإرهاب ينبغي أن تكون شاملة، ووفق استراتيجية واضحة مدعومة بخطة تنفيذية تحقق الأهداف المنشودة من هذه المواجهة من كافة جوانبها العسكرية والأمنية والاقتصادية والفكرية».
وفي سياق الدفاع عن عدم انتهاك مبادئ القانون الدولي، قالت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، سامانثا باور، في رسالة وجهتها إلى أمين عام المنظمة بان كي مون، إن الضربات ضرورية للقضاء على تهديد «داعش» للعراق والولايات المتحدة وحلفائهما، مضيفة أن التحرك مبرر بموجب المادة 51 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يغطي الحقوق الفردية أو الجماعية للدول في الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح.
عنصر جديد دخل على المشهد العام. الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي كان رافضاً للمشاركة في «التحالف»، رحّب يوم أمس بالضربات الجوية، قائلاً: «يجب أن تستمر خارطة الطريق هذه»، ومؤكداً أن أنقرة يمكن أن تقدم دعماً عسكرياً ولوجستياً للحملة العسكرية. ويأتي حديث الرئيس التركي بعد مساهمة بلاده، الفعلية، في الأيام الأخيرة في تغيير خريطة النفوذ في الشمال السوري. وعليه، هل تكون المنطقة العازلة في الشمال الثمن الذي ستطلبه أنقرة في الأيام المقبلة؟ خصوصاً بعد تأمين انتشار واسع لـ«داعش» على حساب «الإرهابيين» الأكراد.
(الأخبار)