تتراقص كؤوس العرق على وقع حلقات الدبكة والرقص في «سهرة» عند الساعة الثانية من بعد ظهر يوم أحد أكثر من عادي. يرفع المطرب صوته: «من هون ما منفل حصرم بعين الكل، بهالأرض بدنا نضل لو بقي خمس بيوت»، فتعلو الصرخات، وتزيد حدّة خبط الأقدام على الأرض.


لا يبدو رواد مطاعم قناة باكيش ـــ بسكنتا متخوفين من الشائعات التي طاولت البلدة أخيراً عن توقيف الجيش لـ«دواعش» على بعد أمتار قليلة فقط من أماكن الرقص والشرب. ولا شيء يوحي بأن الأهالي عدّلوا في تقليدهم الصيفي بارتياد مطاعم البلدة خلال نهاية كل أسبوع.
ينفي صاحب المطعم الأخبار التي تحدثت عن وجود لتنظيم «داعش» في باكيش، والدليل «استمرارنا في إحياء الحفلات واستقبال الزبائن كما دائماً». فيما تؤكّد مصادر عسكرية أن «بعض الأهالي ووسائل الإعلام حوّلت إجراء روتينياً الى حديث البلد بأكمله». وبحسب المصدر، دهم عناصر من استخبارات الجيش أخيراً مبنى مهجوراً في قناة باكيش كان يتبع سابقاً لحلبة التزلج القديمة، ويقطنه اليوم أكثر من مئتي عامل سوري. دامت العملية نحو ثلاث ساعات، وجرى تفتيش المبنى والعمال، «ولم يتم العثور على شيء، إلا أن البعض نشر أخباراً كاذبة على صفحاتهم الفايسبوكية عن اعتقال عناصر من داعش، الأمر الذي أثار هلع الأهالي، وأدى الى إخلاء البعض منازلهم في جبل صنين والعودة الى قلب بسكنتا».
البلدة الواقعة في قضاء المتن الشمالي تعدّ من الوجهات السياحية الأكثر رواجاً، وتبقي محالها التجارية أبوابها مفتوحة حتى في أيام العطلة. يلفت أحد أبنائها الى أن نحو «مئتي عائلة فقط من الضيعة تقصد بيروت للسكن من أصل نحو 12 ألف شخص، الأمر الذي يجعلها تضجّ بالحياة صيفاً وشتاء». عدد القاطنين اليوم بات أكبر مع لجوء نحو 1500 سوري الى البلدة وجرودها، على ما تؤكد مصادر البلدية. لا يثير «داعش» قلق الرجل الستيني لأن «تطرفه سيقضي عليه عاجلاً أو آجلاً»، كما أن «اختراق التنظيم الإرهابي لجبل صنين، وصولاً الى بسكنتا، مستحيل لأنه مضطر للمرور في الضيع الشيعية ومواجهة حزب الله أولاً قبل بلوغ الجبل». أما إذا قرر سلوك طريق عيون السيمان، «عندها كلنا سنقاتل: قوات ومردة وكتائب وتيار، السلاح بعدو هون». لا يكاد ينهي جملته الأخيرة، حتى يعقب قائلاً: «لماذا يشتمون الرئيس السوري بشار الأسد وهو يقاتل داعش منذ ثلاث سنوات؟ الزلمي منيح، لا كسّر صليب ولا تعرّض لأي طائفة، بل على العكس أعطى الطائفة المسيحية حريتها وزيادة».بسكنتا مع الجيش اللبناني ظالماً كان أو مظلوماً، هذا ما يؤكده سكانها. صور العماد جان قهوجي الموزعة في الساحة وعلى زجاج الدكاكين الصغيرة تحمل توقيع «أصدقاء القائد». أحد هؤلاء هو المدير العام لـ«مؤسسة وديع الحاج»، رازي الحاج، الذي اختار في الذكرى السنوية الخامسة للمؤسسة تكريم الجيش، فأقام حفلاً كبيراً له في بسكنتا. الحاج، كسائر أبناء البلدة، مطمئن الى عدم قدرة مؤيدي المعارضة السورية ـــ حتى لو أرادوا ـــ على التحول الى خلايا فاعلة بسبب افتقادهم طريق الإمداد أولاً، واستحالة اختراقنا من ناحية البقاع جغرافياً لأسباب عدة، أهمها عدم وجود بيئة حاضنة لـ«داعش» مثل عرسال؛ «فضلاً عن تبلغنا أخيراً عن نية الجيش إقامة نقاط عسكرية في صنين». يفصل الحاج بين العمال السوريين في باكيش والعائلات السورية النازحة إلى البلدة. العمال «يخضعون لمراقبة حازمة من البلدية ويلتزمون تعليماتها بعدم مغادرة منازلهم بعد الثامنة مساء»! ويوضح أن المستوصف الذي تديره مؤسسته «يطبّب العائلات مجاناً، ولدينا أكثر من 700 بطاقة صحية لأطفال وكبار في السن. لذلك نعتبر أن الخطر الجدّي علينا هو خطر اجتماعي من ناحية زيادة الضغط على الصرف الصحي وحاجتهم الى كشف طبي مستمر وتخطي أعداد الطلاب السوريين في ثانوية بسكنتا الرسمية عدد الطلاب اللبنانيين».

«حزب الله» يحمينا!

لا تعير إحدى نساء البلدة أهمية للحديث عن «القلق من تمدّد داعش» بداية، تكمل طلبها لـ«كيلو لحمة للشوي»، بينما تتحدث زوجة صاحب الملحمة عن ثقتها بالجيش وصلاتها الدائمة لعناصره. ولكنها لا تلبث أن تستدير لتصرخ بلهجة جبلية: «يقبرو صحابن، أكيد بيخوفونا»! على المقلب الآخر، يقلل صاحب أحد الفنادق من قيمة «الخبريات». لا ينفي أن السوريين باتوا «عبئاً علينا»، لكنه يعتبر أن «وجود حزب الله في الناحية الأخرى من الجبل يطمئننا، بغض النظر إن كنا نحب الحزب أم نكرهه». فيما يقول أحد الشبان إن «للحزب دوراً أساسياً في إحساسنا بالأمان لأن الجيش يفتقد القدرات العسكرية لمحاربة داعش المدعوم دولياً بالسلاح والعتاد». ما يقلقه فعلاً هو «عدم رغبة السوري في الرحيل، فهو يتقاضى 225 ألف ليرة شهرياً من الأمم المتحدة ويتطبب مجاناً. فضلاً عن اضطرارنا الى استخدامهم في العمالة لأن شبابنا لا يقبلون العمل بمبالغ زهيدة». يطلب الرجلان عدم الكشف عن اسميهما خشية «مشكلات نحن في غنى عنها»، فيما لا يتردد صاحب أحد متاجر الأجهزة الخلوية في إعلان اسمه كاملاً، قبل أن يعود ويطلب عدم ذكر الاسم: «بركي إجا داعش»! يقول الشاب إن «صورة داعش تخيف أكثر من مسألة وجوده أو عدمه، لذلك تركت والدتي منزلنا في صنين في اليومين الماضيين وباتت داخل البلدة». في رأيه، «لا يمكننا رفض تأجير السوريين منازلنا. إذا أنا ما أجّرتن غيري رح يأجّرن. الغرفة التي كنا نستصعب سابقاً تأجيرها بخمسين دولاراً بتنا نؤجرها بخمسمئة وأكثر. ما يخيفنا أن غالبية النازحين الى بلدتنا ينتمون الى طائفة معينة يُقال إنها كلها داعش. وبصراحة لا أحد غير حزب الله يعطي نتيجة في وجه الدواعش».
«عدد السوريين في بسكنتا نحو 1500 شخص. إذا اعتبرنا أن 200 منهم يتعاطفون مع داعش فتلك مصيبة حقيقية»، يقول أحد الناشطين العونيين في بسكنتا. وكون البلدة زراعية بامتياز، فإن «بعض من يعمل في الأرض لن يجد وظيفة ابتداء من تشرين الأول مع قدوم الصقيع، وهو ما يدفعنا الى الخوف من عمليات سرقة وغيرها». ووفقاً للعوني، لا قدرة للبلدية على منعهم من ارتياد البلدة لعدم وجود قرار رسمي من وزارة الداخلية يجيز ذلك، ولا قدرة لها أيضاً على الحراسة في الليل. يؤكد الشاب أن «الحزام الشيعي المحاذي للجبل يطمئن، إلا أن الخوف يكمن في الأطراف التي لا وجود للحزب فيها. هناك خطان يمكن اجتيازهما بسهولة والوصول الى بسكنتا: الأول من بعلبك في اتجاه دير الأحمر، مروراً بشليفا، وصولاً الى عيون السيمان، حيث هناك طريق ترابية غير مراقبة توصل إلينا. أما الخط الثاني، فمن بلدة سعدنايل نحو صنين وبسكنتا، وهي طريق خالية من أي نقاط عسكرية للجيش أو الحزب.

انتشار حزب الله
بمحاذاتنا يطمئننا بغض النظر إن كنا نحبه
أو نكرهه

من جهته، لا ينكر مسؤول القوات ساسين كرم أن الخوف من «داعش» حقيقي، رغم أنه لا شيء في الضيعة يثير الريبة حتى الساعة. يؤكّد أن طلا إمكانية لتسلل عناصر عبر الجبل كون المناطق المحيطة به لا تعتبر بيئة حاضنة لفكر هذا التنظيم. وأي احتمال لتحرك ما سيكون صغيراً لعدم قدرتهم على تأمين الإمدادات، فمناطق إخواننا الشيعة ورا الجبال». يشير كرم الى قدرة الجيش على القيام بالواجب وزيادة البلدية لعناصر الشرطة، ولكن «إذا صار شي كتير كبير ممكن نتدخل».
عشية الشائعة التي شغلت البلدة، اضطر حزب الكتائب الى «النزول على الأرض والقيام بجولات في الجبل»، يقول مسؤول الحزب روكز الخوري، الذي يعتقد هو الآخر باستحالة وصول «داعش» نظراً إلى الحزام الشيعي المحيط بالبلدة. لكن، المشكلة الرئيسية ستبرز في نهاية أيلول مع «صرف عناصر شرطة البلدية الإضافيين، كونهم معينين بالتعاقد».
الأحزاب أبلغت مناصريها بضرورة مساعدة القوى الأمنية عبر الإبلاغ عن أي تصرف مشبوه، يقول مسؤول الحزب القومي بطرس أبو حيدر. ومن الطبيعي، وفقاً لأبو حيدر، التخوف من الجرود كونها مفتوحة بأكملها وتفتقر إلى نقاط الجيش: «بوابة داعش إلينا هي البقاع. كحزب قومي، وجود المقاومة بجانبنا يريحنا ولكننا لا نعرف حقاً نقاط وجودها ومدى تغطيتها لسلسلة جبال مرتبطة ببعضها البعض، تبدأ بفلسطين وتنتهي في وادي النصارى»!
كانت بسكنتا في الأيام الأخيرة مشغولة بالتحضير لمهرجان التفاح الذي تشتهر به. وما بين السهرات الفنية وحفلات الزجل. السكان مطمئنون، فالجيش الى جانبهم وحزب الله من ورائهم... فضلاً عن أن التنظيمات الإرهابية لم تصدر، حتى الساعة، أي فتوى تحرّم زراعة التفاح أو تكفّر آكله!




نازحون في «المبنى السعودي»!

يتحدث أحد أعضاء المجلس البلدي، الذي رفض نشر اسمه، عن «خوف ينتاب الأهالي من مجموعة سورية كبيرة (عددها يقارب الثلاثمئة شخص) تضم رجالاً فقط. هؤلاء يتنقلون عبر الجبل بواسطة بغال، ما يثير الشكوك لدينا من قيامهم بعملية ما. صحيح أن الجيش أخضعهم للتفتيش، لكنه لم يحتجز أحداً، علماً بأن المبنى المهجور في باكيش أصبح أشبه بمخيم، وغالبية المواطنين باتوا يحسبون ألف حساب قبل التوجه الى تلك النقطة». ووفقاً لرواية الشاب، فإن «العمال السوريين لا يعملون دائماً، بل يتبادلون الدوامات، ما يعزز الشعور بأنهم يخططون لعمل ما». أما ما يقلق حقاً، فهو «عدم قدرة البلدية على إخلاء المبنى الذي يمتلكه سعودي يدعى فهد العزل وشاليهات قديمة استولوا عليها. وأخيراً اشترى الأمين العام للداخلية السابق في حزب الوطنيين الأحرار مارون الحلو قسماً من المبنى بالاشتراك مع الرابطة المارونية؛ وكون الحلو صاحب ورش بناء في مناطق عدة، فهو يستخدم هؤلاء كعمال لديه ويؤكد ثقته التامة بهم». رغم ذلك، لا شيء في باكيش يطمئن، إذ «يمكن للعمال بكل سهولة اجتياز الجبل عبر البغال من الجهة التي لا وجود فيها لحزب الله. فالجيش يسيّر كل مدة دوريات له، وفي بعض الأوقات يراقب الجرد عبر الهليكوبتر، ولكن ذلك لا يكفي».