لا يخرج مسيحيو صيدا عن سياق القلق العام الذي يجتاح المناطق اللبنانية، والمسيحية خاصة. وإن كانت قرى شرقي صيدا قد خَبرت عن قرب تهديدات التكفيريين خلال العام الماضي مع تفشي ظاهرة أحمد الأسير، إلّا أن المرحلة الأخيرة حملت إلى القرى هواجس جديدة، منها القلق من انتشار النازحين السوريين. وما لم يعد خافياً، تفاعل كبير مع حزب الله بدأ يتبلور في شرقي صيدا، كذلك إن رغبة التسلح في القرى ترتفع مع ارتفاع وتيرة الخوف.

أخيراً، كان الحزب الضيف الأبرز في صالونات الكنائس وضيف الفعاليات.

منها اللقاء الحواري الذي نظمته دار العناية في الصالحية بالتعاون مع رئيس بلدية عبرا، بين عضو المجلس السياسي في حزب الله غالب أبو زينب، وفعاليات ورؤساء بلديات ومخاتير شرقي صيدا، عرضوا فيه مخاوفهم من وصول الإرهاب التكفيري إلى منطقتهم. في المقابل، استمعوا من أبو زينب إلى تجربة الحزب في سوريا. وإذ لمّح بعضهم إلى اعتماده على قوة الحزب الرادعة، شدد أبو زينب على ضرورة الوقوف صفاً واحداً خلف الجيش ودعمه في هذه المعركة. قبل ذلك، جال وفد من الحزب على رؤساء الطوائف المسيحية في المنطقة، وتوافقوا على أن الخطر التكفيري لن يسلم منه أحد.
لكن طلب بعض المسيحيين العون من الحزب، أثار تحفظات صيداوية وخشية من تفسير المبادرة بأنها تأسيس «جبهة مسيحية ـ شيعية في وجه الخطر السني». وقبل فترة، طلب شبان من شرقي صيدا موعداً من رئيس التنظيم الشعبي الناصري أسامة سعد، لاستشارته في موضوع التسلح لمواجهة خطر «داعش». في رأي هؤلاء، يشكّل سعد «مرجعية وطنية ونموذجاً للاعتدال السني». وهم أرادوا تخطي مبادرة أقرانهم، الذين طلبوا العون من حزب الله. لكن موقف التنظيم لاقى موقف الحزب بضرورة الالتفاف حول الجيش.
لكن قرار الاكتفاء بالجيش لا يقنع جزءاً من أهالي شرقي صيدا، حيث لا يزال شبح الأسير ماثلاً. الشائعات التي انتشرت أخيراً عن ضبط خلايا نائمة تابعة لـ"جبهة النصرة" و"داعش" في مرجعيون وجزين، عززت المخاوف من النازحين السوريين. مخاوف انعكست لدى البعض بدعوات عنصرية لطرد جماعي من البلدات وحظر للتجوال، شاركت فيها بلديات في إطار قرارات رسمية صدرت عنها. فيما ارتفعت دعوات مقابلة لرصد النازحين وتصنيفهم بين موالين للنظام السوري ومعارضين له والتحري عمن لديه خبرة عسكرية بينهم.

إيعاز من الأحزاب المسيحية للتسلح والبقاء في
جاهزية عسكرية




برغم ذلك، يفاخر مسيحيو الجنوب من صيدا إلى جزين حتى مرجعيون، بأن الجنوب هو الملاذ الآمن والحصن المنيع بوجه الإرهاب. لماذا؟ «ندير ظهرنا باطمئنان لأن الحزب إسنادنا الخلفي من حارة صيدا إلى كفرحتى»، يقول أحد المسؤولين الحزبيين المسيحيين في منطقة شرقي صيدا، معرباً عن ثقته بأن الحزب «لن يسمح بتهجيرنا، وسيقف كما وقف الشهيد مصطفى سعد في عام 1985 بوجه العدو الإسرائيلي وعملائه». طمأنينة تعزز الهدوء على خط البلدات التي فرغت معظم منازلها بعد تهجير شرقي صيدا خلال الثمانينيات. في الشكل، تبدو خريطة البلدات من مجدليون حتى جزين هادئة تخرقها تعاميم بلدية بمنع تجوال السوريين في ساعات الليل. حتى الآن، لم تسجل حالات استثنائية، ما عدا إشكالات فردية بين بعض الأهالي ونازحين. لكن خطر "داعش" القادم من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، يربك هدوء البلدات. مصادر مواكبة أكدت أن عدداً من الأهالي اشترى سلاحاً في الآونة الأخيرة واحتفظ به في منزله إلى حين الضرورة، فضلاً عن تسيير دوريات مراقبة ليلية. من المتسلحين، عناصر ومؤيدون للتيار الوطني الحر وللقوات اللبنانية والكتائب. فيما «اقترح البعض على كوادر في حزب الله تدريبهم وتسليحهم في إطار سرايا المقاومة»، بحسب المصادر التي نقلت إيعازاً من تحت الطاولة من قياديين في الأحزاب المسيحية من قوى الثامن والرابع عشر من آذار على السواء «للتسلح والبقاء في جاهزية عسكرية تامة. وإن استدعى الأمر، نسقوا مع الحزب وانضووا تحت جناحه تحت غطاء السرايا».
مسؤول لجنة الأمن في الجنوب في التيار جوزيف فرحات، أكد وجود حركة شراء أسلحة، لكنها ليست على نطاق واسع، وعلى نحو فردي. ونقل عن قيادة التيار رفضها للتسلح، داعية عناصرها إلى دعم الجيش معنوياً ومعلوماتياً. إلا أن فرحات لم يخف القلق من وجود خلايا نائمة بين تجمعات النازحين السوريين المتداخلة في المنطقة. ولفت إلى أن الأهالي جاهزون لأداء دور أكبر إذا تدهور الوضع الأمني من جهة، أو نُقل المزيد من جنود الجيش إلى مناطق أخرى. علماً بأن اللواء الثامن الذي تصدى للإرهابيين في معركة عرسال كان قد نقل من مركزه في ثكنة الصالحية مع تدهور الأوضاع الأمنية على الحدود مع سوريا، واستبدل بقوة صغيرة من اللواء الأول. من جهته، نفى مسؤول الإعلام الداخلي في القوات مارون مارون الشائعات التي تحدثت عن «اقتناء أي قواتي للسلاح، لا في شرقي صيدا أو في كل لبنان». ابن بلدة مجدليون رأى أن الخوف من "داعش" غير مبرر، مقللاً من حجم المخاوف ومن خطرها. ورفض الدعوات إلى التسلح «لأن فيها استعادة لمنطق الحرب الأهلية». مارون لفت إلى أنه يلقي محاضرات في سائر المناطق باسم القوات للتوعية ليس من خطر "داعش"، بل "من استعادة مخاطر الحرب الأهلية والسلاح خارج الدولة الذي جربناه». وأعرب عن خشيته من «قيام بعض الأطراف بتشجيع التسلح لتبرير سلاحها غير الشرعي».
التحرر الشكلي من الأوامر الحزبية يبرز أكثر في البلدات المسيحية المحاذية للبلدات السنية على وجه الخصوص، ولا سيما في العرقوب وحاصبيا وعلى حدود قضاء راشيا الوادي. شبان بعض البلدات يتناوبون على الحراسة بفخر كأنهم يؤدون واجباً وطنياً وقومياً و«يحمون الوجود المسيحي». لكنهم يقرون بأن حراساتهم وأسلحتهم التي أعادوا «تزييتها» بعد سنوات من تخزينها، لن تصد "داعش" وحدها.