ليست حرباً على الإسلام، وليست غزوة جديدة لبلد عربي، ولن تحمل الديموقراطية الى أيّ كان... هي حرب أميركية طويلة الأمد على تنظيم «الدولة الإسلامية» «أينما كان». لستُ جورج والكر بوش، وحربي «ستكون مختلفة عن الحروب في العراق وأفغانستان، فلن أقوم بزجّ القوات المسلحة الأميركية في معركة على أرض أجنبية». لستُ رئيساً ضعيفاً، فأنا أسعى إلى «إضعاف داعش وتدميره» ولتحقيق ذلك بتُّ أملك استراتيجية واضحة «شاملة ومتواصلة».

تلك هي أبرز الرسائل التي أراد الرئيس الأميركي إيصالها إلى حلفائه وأعدائه ومواطنيه ومنتقديه. خطاب أول من أمس تضمّن ردوداً من أوباما على من انتقد حزمه وشكّك بشجاعته ونعى سياسته الخارجية. لكن الخطاب تضمّن أيضاً إعلان حرب. حرب سمّاها الرئيس الأميركي «استراتيجية شاملة ومستدامة لمكافحة الإرهاب»، وهي تقوم على أربعة عناصر. وقد انتقدت الصحافة الأميركية كل عنصر منها، والبعض ذهب الى تفنيد التناقضات العديدة التي شابت الخطاب الرئاسي.

العنصر الأول من «استراتيجية» أوباما هو «توسيع الضربات الجوية». وهنا قال الرئيس «سنجري حملة منظمة من الضربات الجوية ضد إرهابيي الدولة الإسلامية»، وتابع «لن أتردد في التحرك ضد داعش في سوريا، كما في العراق»، مشيراً إلى أن إدارته ستعمل مع الحكومة العراقية على حماية المهمات الإنسانية والأمنية». وحول هذا العنصر المهم، سأل المعلّقون الأميركيون: كيف ستضرب واشنطن سوريا؟ من دون موافقة حكومتها؟ من دون قرار دولي وأممي؟ ألا يعني ذلك أننا سنشنّ ضربات من أجل بشار الأسد وليس ضده؟ فيما ذهب البعض الى اعتبار خطوة أوباما تلك «غير دستورية»، إذ إن «داعش» ليس مصنّفاً كأحد فروع تنظيم «القاعدة» لكي يحقّ للرئيس استخدام قانون مكافحة الإرهاب الذي صدر عام 2001.
العنصر الثاني الذي أعلنه أوباما هو «دعم القوات التي تقاتل داعش على الأرض» (في إشارة إلى القوات العراقية والكردية والمعارضة السورية المسلحة). وهنا لفت البعض الى أنه حتى لو نجحت الضربات الجوية ضد «داعش» بالقضاء عليه، فإنه يجب أن تحلّ محلّه على الأرض قوات منظّمة ومدرّبة عسكرياً، وقد أثبتت التجارب أن لا الجيش العراقي ولا البشمركة قادران على تحمّل تلك المسؤولية، رغم قيام الجيش الأميركي بتدريب الجيش العراقي.


أوباما في تحييد
نفسه عن شبح قيادة حرب جديدة «مكروهة»


وحول تشديد أوباما على أن هذه الحرب «ستكون مختلفة عن الحروب السابقة في العراق وأفغانستان، ولن تشمل إرسال قوات أميركية إلى أراض أجنبية»، ناقض الرئيس نفسه حسب المعلّقين حين أعلن في الخطاب ذاته أنه سيرسل «475 عسكرياً إلى العراق (...) سيقتصر دورهم على تدريب القوات العراقية والكردية، وتزويدها بالأسلحة والمعلومات الاستخبارية»، إضافة الى الألف جندي الذين أعادوا انتشارهم في العراق في الأسابيع الأخيرة. ألا يعدّ ذلك «إرسال قوات أميركية الى أراض أجنبية؟» سأل البعض.
فشل أوباما في تحييد نفسه عن شبح قيادة حرب جديدة «مكروهة» على العراق في عيون منتقديه وحتى المعجبين به. افتتاحية «ذي نيويورك تايمز» شددت على تكلفة «الحرب المفتوحة» تلك التي سيتكبّدها الشعب الأميركي مجدداً، وخصوصاً أن ثمن حربي العراق وأفغانستان ـــ الذي بلغ تريليون دولار ـــ كان «عبئاً قاسياً على البلاد».
أما حول سوريا ودعم المعارضة السورية، فقال أوباما «قمنا بتسريع مساعداتنا العسكرية للمعارضة السورية، وأدعو مرة أخرى الكونغرس لأن يقدم لنا الموارد الإضافية لتدريب وتجهيز هؤلاء المقاتلين في مكافحة داعش». وشدد على أنه «لا يمكننا الاعتماد على نظام الأسد الذي يروّع شعبه، وهو النظام الذي لن يستعيد أبداً الشرعية التي فقدها». وأردف «بدلاً من ذلك، يجب علينا أن نعزز المعارضة كأفضل توازن مع المتطرفين مثل داعش، في الوقت الذي يجب فيه مواصلة الحل السياسي لحل الأزمة السورية إلى الأبد».
وهنا، ذكّر بعض الصحافيين الأميركيين بأن الرئيس كان قد شبّه المعارضة السورية المسلّحة بـ«مجموعة من الأطباء والمزارعين والصيادلة السابقين وما إلى ذلك» واستغربوا كيف أصبحت تلك المعارضة الآن تشكّل حلقة رئيسية في استراتيجيته للتغلب على تنظيم «الدولة الإسلامية». وسأل هؤلاء «هل فات الأوان؟» للالتفات الى تلك المعارضة وتدريبها وتسليحها؟
كما لفت آخرون الى التناقض أيضاً في كلام أوباما حول الأسد «الذي فقد شرعيته»، لكننا في الوقت نفسه نحارب عدوّه ونسعى لإزاحة هذا العبء عن كاهله! تفصيل آخر لفت البعض هو عندما أعلن أوباما أن «استراتيجيتنا حول سوريا هي تلك التي نفّذناها بنجاح في اليمن والصومال على مدى سنوات». «أوباما، قد يكون الشخص الوحيد في العالم الذي يرى أن هناك انتصاراً ما في اليمن والصومال الممزقين بالأزمات»، علّق نيكولاس كريستوف في «ذي نيويورك تايمز».
العنصر الثالث هو ضرورة «استمرار جهود مكافحة الإرهاب لمنع داعش من تنفيذ أي هجمات». وقال أوباما إن ذلك سيكون عن طريق «العمل مع الشركاء، ومضاعفة الجهد لقطع تمويل «داعش»، وإيقاف تدفق المقاتلين الأجانب من وإلى الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنه سيرأس اجتماعاً في مجلس الأمن الدولي خلال أسبوعين لمواصلة تعبئة المجتمع الدولي حول هذا الجهد. و«حسب مشاوراتنا مع حلفائنا في الخارج والداخل، أستطيع أن أعلن أن أميركا ستقود تحالفاً واسعاً للتصدي لهذا التهديد الإرهابي». وهنا ذكر البعض أن نجاح مثل هذا التعاون لن يتحقق إلا إذا أقفل «الشركاء» من الدول العربية منابع تمويل «داعش» وأقفلت تركيا حدودها في وجه مقاتليه. وفي هذا الإطار، لفت آخرون الى أن أوباما لم يسمّ «الشركاء» في حملته عمداً، لكي يتفادى ذكر السعودية، وخصوصاً ذكر إيران التي تعدّ «شريكة» فعلية في محاربة «داعش» في العراق، إذ كانت أوّل من أرسلت قواتها إلى هناك لمحاربة مقاتلي التنظيم، الى جانب القوات الأميركية.
العنصر الرابع يتمثل حسب أوباما في «استمرار تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من داعش».
وقال الرئيس «سنواصل تقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين الأبرياء، الذين هجّرهم هذا التنظيم الإرهابي، وهذا يشمل السنّة والشيعة من المسلمين الذين يتعرضون لخطر شديد، مثلهم مثل عشرات الآلاف من المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى».