العنوان مكافحة الإرهاب. وأي إرهاب؟ «داعش» التي سفكت دماء غزيرة في سوريا والعراق، ومارست جميع صنوف الوحشية والإجرام، ليس أقلها حز الرؤوس. فمن يستطيع أن يجاهر برفضه تحالفاً كرس نفسه للقضاء على هذا التنظيم الإرهابي؟ غير أن التعمق في تركيبة التحالف وأهدافه المضمرة، قياساً على كيفية تعامل الدول المعنية مع هذا التنظيم، منذ أن نما قبل اجتياحه الموصل حتى اليوم، يشي بكوارث مقبلة على المنطقة. هذا على الأقل ما تعتقده إيران وسوريا ومعهما الحليفان الروسي والصيني، بحسب ما تفيد المعلومات الواردة من العواصم المعنية، وما تلمح إليه التصريحات الرسمية.


البداية مع تركيبة التحالف. كيف يعقل للدول التي ساهمت في تأسيس «داعش» وتمويلها وتسليحها وتأمين المقومات اللوجستية لفتوحاتها والغطاء الشرعي لمجازرها، أن تنشئ هي نفسها التحالف الذي يرمي الى تقويضها. الحديث يبدأ من الولايات المتحدة، التي تؤكد تقارير استخبارية متعددة أن غالبية قادة «داعش» من خريجي سجونها في العراق، إلى الحد الذي يقول البعض إن هذا التنظيم لم يكن سوى دمية تحركها الاستخبارات الأميركية قبل أن يخرج عن طوعها.
هناك ثانياً تركيا وقطر، اللتان بات معلوما للقاصي والداني مدى الدعم الذي قدمتاه ولا تزالان إلى «داعش»، بشهادة قادة هذا التنظيم الذين تحدثوا إلى وسائل إعلام عالمية: مال وسلاح ومعلومات أمنية وخطوط إمداد ومنافذ للمرور ومكان إقامة وعلاج للجرحى. وهناك ثالثاً السعودية، التي أكدت التقارير الأميركية والبريطانية حجم الدور الذي أدته كبيئة مؤسسة وحاضنة لهذا التنظيم في كل المجالات.


«داعش» هو بمنزلة حصان طروادة وذريعة للتدخل في سوريا


أما من ناحية الأهداف، فتكاد تجزم العوام المعنية بأنها تنحصر «في استعادة ما خسره الغرب في المنطقة»، على ما أفاد مصدر رفيع المستوى، رأى أن غاية التحالف تنحصر في أمرين: الأول، استعادة واشنطن وحلفائها الإقليميين نفوذا فقدوه في بلاد الرافدين مع الانسحاب الأميركي في 2011. أما الثاني، فضرب الجيش السوري، بحجة قصف «داعش»، على أمل التمكن من اسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.
ويوضح المصدر نفسه أن «داعش استغلها الغرب وحلفاؤه في الاتجاهين، كالمنشار. بداية توظيفها لمحاربة النظام السوري وللضغط على إيران وحكومة بغداد لانتزاع تنازلات سياسية. واليوم يعيد الكرّة عبر تقوية خصوم الحكومة المركزية في العراق، والعمل على تقوية معارضي الأسد وضرب جيشه».
وتقدر الأوساط المعنية في العواصم السالفة الذكر أن ضرب «داعش» في العراق سيجري، ولكن في مقابل أن تحل مكانه قوات تمثل الأوساط المواجهة لحكومة بغداد في كردستان وفي غرب العراق، مرفقا بضغط لاعادة هيكلة قواته الأمنية والعسكرية ومؤسساته السياسية، بما يضمن توازنا لا يعكس التوزع الديموغرافي الداخلي، بل مصالح القوى الإقليمية المعادية لإيران. أما في سوريا، فترى الأوساط نفسها أن عجز المعارضة المسلحة عن اسقاط النظام بات يستوجب، بالنسبة إلى هذه القوى، الاستعانة بقوات أجنبية ليس أفضل من محاربة «داعش» عنواناً لاستهداف مفاصل النظام.

سوريا: كل تدخل اعتداء

من هنا يمكن فهم إعراب الرئيس بشار الأسد عن «استعداد الحكومة السورية لمواصلة العمل مع المبعوث الدولي (ستيفان دي ميستورا) وتقديم الدعم والتعاون اللازمين لإنجاح مهمته، بما يحقق مصلحة الشعب السوري في الوصول إلى حل يضمن الخلاص من الإرهاب والقضاء على تنظيماته بمختلف مسمياتها»، مؤكداً أن نجاح دي ميستورا في مهمته هو نجاح لسوريا وشعبها.
وأشار الأسد، خلال استقباله دي ميستورا، إلى أنّ ما «تشهده سوريا والمنطقة جعل مكافحة الإرهاب أولوية، لأنه بات الخطر الأكبر الذي يهدد الجميع، ولأن أي تقدم في هذا المجال من شأنه أن يسهم في دعم المصالحات الوطنية، التي نجحت حتى الآن في العديد من المناطق السورية لتشكل نقطة انطلاق نحو حوار سوري سوري شامل».
في السياق، قال الوزير السوري، علي حيدر، إنّ أي تدخل أجنبي في بلاده سيكون «اعتداء على سوريا» ما لم توافق عليه دمشق. وأضاف، خلال لقائه دي ميستورا، أنّه «لا بد من التعاون مع سوريا ولا بد من التنسيق مع سوريا ولا بد من موافقة سوريا على أي عمل عسكري ضد سوريا».
وأكد «ضرورة مكافحة الإرهاب والوقوف ضد جميع الأطراف الداعمة والممولة له، مع ضرورة التعاضد مع المجتمع الدولي كافة». وشدّد على أن أي اعتداء على سوريا هو اعتداء سافر، ويجب الرد عليه، وقال «داعش هو بمثابة حصان طروادة وذريعة للتدخل في سوريا».

روسيا: موافقة الحكومة الشرعية أولوية

وزارة الخارجية الروسية أكدت النقطة نفسها. المتحدث باسمها ألكسندر لوكاشيفيتش كان حريصاً على التأكيد أن توجيه واشنطن أية ضربة إلى سوريا دون موافقة مجلس الأمن الدولي سيكون عدوانا عليها وخرقا واضحا للقانون الدولي. قال إن «الرئيس الأميركي أعلن إمكانية توجيه القوات الأميركية ضربات إلى مواقع «الدولة الإسلامية» في الأراضي السورية دون موافقة الحكومة الشرعية. مثل هذه الخطوة في ظل عدم وجود قرار لمجلس الأمن الدولي بهذا الشأن، هي بمثابة عدوان وخرق صارخ لقواعد القانون الدولي».
وأشار الدبلوماسي الروسي إلى أن «هناك ما يسمح بالاعتقاد أن القوات السورية هي الأخرى ستتعرض للقصف، ما سيؤدي إلى مواصلة تصعيدالتوتر».

إيران تشكو «غموضاً شديدا»

من جهته، أكد الرئيس الايراني حسن روحاني، خلال لقائه مع الامين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون، دميتري فيدروفيتش مزينتسف، ان «محاربة الارهاب ليست مهمة سهلة وقصيرة الامد، وتتطلب ارادة جماعية، لذلك فإن محاربة الارهاب والتطرف تتطلب قرارا سياسيا حازما، ولا بد من تنظيم تعاون اقليمي وعالمي مشترك في هذا المجال»، مشدداً على «أننا سنقوم بكل ما في وسعنا من اجل استقرار المنطقة». وقال «ينبغي ان يصدق الجميع ان وجود تنظيم ارهابي لا يصب في مصلحة احد».
ومع ذلك، قالت المتحدثة باسم الخارجية مرضية أفخم إن «ما يسمى التحالف الدولي لمحاربة جماعة الدولة الاسلامية في العراق والشام... تكتنفه نقاط غموض شديد وهناك شكوك قوية في عزمه على التصدي باخلاص للاسباب الجذرية للارهاب»، متهمة بعض أعضاء التحالف بأنهم «يدعمون الإرهابيين ماليا وعسكريا في العراق وسوريا»، في إشارة إلى السعودية وقطر وتركيا.

الصين: احترام سيادة الدول

أما الصين، فقد ردت بحذر على دعوة أوباما إلى إنشاء تحالف واسع ضد «داعش»، وقالت إن «العالم يجب أن يحارب الارهاب، لكن سيادة الدول يجب أن تحترم»، بحسب ما عبرت عنه المتحدثة باسم الخارجية الصينية هوا تشون ينغ، التي شددت على أن «الصين تعارض كل أشكال الارهاب، وتوافق على أن المجتمع الدولي يجب أن يتعاون لضرب الارهاب، بما في ذلك دعم جهود الدول المعنية للحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي»، لكنها أضافت «وفي الوقت نفسه نرى أنه في ظل المحاربة الدولية للارهاب، يجب احترام القانون الدولي، وسيادة واستقلال وسلامة أراضي الدول المعنية أيضاً».
(الأخبار)