عكّا | عند التاسعة والنصف من ليل الثلاثاء 19 آب (أغسطس)، رحل سميح القاسم في «مستشفى صفد» عن عمر ناهز 75 عاماً بعد صراع طويل مع السرطان. كنّا نعرف أنّ صحته تدهورت خلال الأيام الماضية، إذ نشر الكاتب الفلسطيني وصديقه عصام خوري الذي أسس معه منشورات «عربسك» عام 1973، عبر صفحته على فايسبوك تدوينة مفادها أنّ الشاعر يمرّ في أوضاع صحية صعبة، ويعيش بين الغفو والصحو.
بعد الدقائق الأولى على تأكّد الخبر، امتلأت صفحات فايسبوك وتويتر بنعي وتعازي محبّيه في فلسطين والعالم العربي، من أبيات قصائده، ومشاركة روابط لأغنيات من كلماته، وصوره وقصائده مسجّلة بصوته، منها تلك التي تتشابه في مشاهدها مع ما تعيشه غزّة في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر عليها.

حزن على رحيل شاعرٍ آخر من شعراء المقاومة، ومشاركة قصيدته «خذني معك» التي رثى بها رفيق دربه محمود درويش الذي تزامنت ذكرى وفاته في التاسع من آب (أغسطس)، أي في الشهر نفسه الذي رحل فيه القاسم. تدوينات حزن خاصة لكاتبيها، وتغريدة: «الناس نيامٌ.. فإذا مات الشعراء انتبهوا!».
صباح أمس الأربعاء، نعى «الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين» الشاعر «أبو وطن»، وجاء في بيانه: «لقد ترك سميح القاسم إرثاً ثقافياً نعتزّ به، ونعلن انحيازنا التام له. كما ترك سيرة نضالية نفتخر بها، ونتعلم منها، وفي هذه المناسبة يتطلع الاتحاد، بل يطالب الجهات الرسمية في السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي منظمة التحرير، بأن لا تلتفت فقط لتراث الراحل الكبير، وإنما لوصاياه التي سنجدها في كل جملة شعرية كتبها، وأن تولي ثقافتنا الوطنية المقاتلة ما يمكنها من الصمود، ويشحذها بمقومات الصمود والمزيد من المقاومة».


ستودعه جماهير
غفيرة اليوم في مسيرة تجوب شوارع القرية


كما نعت وزارة الثقافة الفلسطينية الشاعر من خلال بيان جاء فيه: «سميح القاسم سيبقى في ذاكرة شعبنا الوفي الصامد المرابط يردد أشعاره الخالدة ويذكر له مواقفه الوطنية المنحازة لدماء الشهداء وأنات الجرحى والأسرى في سجون الاحتلال». أما وزير الثقافة السابق الكاتب يحيى يخلف، فكتب عبر الفايسبوك: «رحيل شاعر فلسطين وأبرز رموزها الثقافية سميح القاسم مساء الليلة بعد صراع مع المرض، نعزي عائلته ونعزي أبناء شعبنا من محبيه وقرائه، ونعزي الحركة الثقافية الفلسطينية والعربية».
غنّى العديد من الفنانين الفلسطينيين والعرب قصائد الشاعر، منهم: مرسيل خليفة، جوليا بطرس، ريم بنّا وغيرهم، بالإضافة إلى فرق موسيقية فلسطينية، مثل «صابرين»، و«يُعاد» و«العاشقين». وكانت ريم بنّا التي لحنت قصيدتيه «أحكي للعالم» و«ذات يوم» اللتين كانتا ضمن ألبومها الثالث «الحُلم» (1993)، قد كتبت عبر فايسبوك بداية بيتاً من قصيدة «ذات يوم»: «قتلوني ذات يوم، يا أحبائيَ لكن، ظلَّ مرفوعاً إلى الغرب جبيني»، ثم كتبت: «آب، شهر موت الشعراء، محمود درويش 9/8/2008.. سميح القاسم 19/8/2014.. من 9 إلى 19.. عاش شعر المقاومة». وبعد حوالى ساعة على خبر الرحيل، كتب الفنان الفلسطيني «محبوب العرب» محمد عسّاف عبر فايسبوك مقطعاً من قصيدة «غرباء»: «وحملنا.. جرحنا الدامي حملنا.. وإلى أفق وراء الغيب يدعونا.. رحلنا». وأضاف: «مع تجدد العدوان الغاشم على غزّة الحبيبة، فقد الشعب الفلسطيني شاعر الزيتون والأرض سميح القاسم، بعد صراع طويل مع المرض. نحن شعب يمضي رغم الجراح. لروحك الرحمة يا شاعرنا الكبير ولنا العزاء والسلوان».
سيبقى صاحب «أشد من الماء حزناً» حاضراً بين الناس، هو وقصيدته، كما حافظت قصيدة وأغنية «منتصب القامة أمشي» على حضورها على مرّ كلّ هذه السنين، فهي من القصائد التي تشبه الأوقات كلّها، وتشبه المكان بكامل تاريخه المستمر، كما شاعرها تماماً. فكيف يمكن أن تغيب قصيدة من قال، في ظلّ معاناته مع المرض: « أنا.. لا أُحبُّكَ يا موتُ.. لكنني لا أخافُكْ!».
وسيصل جثمان الشاعر عند العاشرة من صباح اليوم الخميس إلى «بيت الشعب» في قرية الرامة الجليلية، ثم ستشيّع جماهير غفيرة جثمانه في مسيرة تنطلق من «بيت الشعب» وتجوب شوارع القرية، عند الساعة الثانية عشرة والنصف، باتجاه الملعب البلدي حيث يُسجّى الجثمان لإلقاء نظرة الوداع. وعند الساعة الثالثة، تبدأ المراسم الرسمية للجنازة وكلمات تأبينية قصيرة. وربما عندها، سيُسمع في الصدى صوته، وهو يقول بيت القصيد، من القصيدة التي رثاه بها صديقه درويش، يوم قال له: «يُحبّونَنا مَيِّتينْ.. ولكنْ يُحبُّونَنا يا صديقي».