محمد علي شمس الدين*

سميح القاسم خرج من عصر المناحات الشعرية العربية تماماً في اللحظة التاريخية المناسبة، وهي اكتمال الهزيمة عام 1967، إذ سيبتدئ من القاع محاولة تسلق القمة. كان ثمة جوقة من المراثي العربية تصدح بأصوات متنوعة من أعماق الجزيرة الى شاطئ المتوسط، ومن أطراف النيل الى ثلوج صنين، ولماذا؟

نسأل ونجيب: لأن التاريخ العربي الحديث والمعاصر جاء ليكلّل سقوط بغداد بأيدي التتار، وسقوط الأندلس بأيدي الإسبان، وسقوط لواء اسكندرون بأيدي الأتراك، بتاج الشوك سقوط فلسطين. وبعد عشرين عاماً، سقوط الفتى المهر الأغرّ جمال عبد الناصر عن صهوة العروبة عام 1967. لا نستطيع فهم صوت شعراء الأرض المحتلة مثل سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زيّاد من دون هذه الحاشية التاريخية. هذه الحاشية التي أصبحت متن الشعر العربي الحديث بكامله، وهو شعر سياسي بالضرورة حتى ولو تكلم الشاعر عن «لن» (أنسي الحاج) أو عن الكركدن (توفيق صايغ)، فالتاريخ ضاغط على لهاة الشاعر وضاغط على اللغة. وبرغم نكهة سميح الساخرة، إلا أنه في حقيقته ومنذ دواوينه الأولى مثل «مواكب الشمس» (1958)، و«أغاني الدروب» (1964)، وهي رومانسية متأثرة بمن سبقها مثل عبد الرحيم عمر، وعلي محمود طه، حتى الأخيرة «كولاج» (2012). هو شاعر حكائي يتناول مفرداته من الفم السائر للناس ومن الفولكلور الشعبي الفلسطيني، وكثيراً ما يلجأ إلى الأساطير والكتب الدينية، وينهل من كل ذلك مادته الشعرية، فيمزج بين حدين بعيدين، حدّ الحكي اليومي القريب الذي يسمّي الأشياء بأسمائها حتى لو كانت بالأجنبية فيقول مثلاً: «ونأخذ كي يستطيع الكلام ومعناه OK» (ديوان «هواجس لطقوس الأحفاد»)، وحدّ اللغة الأسطورية أو الدينية كما يفعل في قصائده الطويلة التي سماها «سربيّات».
ابتكر سميح مصطلحاً لنمط من القصائد كتبه بصيغة مطولات شعرية سماها «سربيّات» مثل ديوان «ثالث أوكسيد الكربون»، حيث يعرف السربية بقوله «هي تسمية مجازية للقصيدة الطويلة». أما ثالث أوكسيد الكربون، فيشتمل برأيه على عنصر سيكولوجي هو من العناصر المكونة للروح، أي أن الشاعر ينفث مع نفسه جزءاً من روحه، والسربية قصيدة طويلة متشابكة مؤسسة على أسطورة أو حكاية تاريخية، أو مقاطع من الميثولوجيا الدينية. وتتميز بالسرد الروائي وتشابك الأصوات وبناء قريب من البناء المسرحي. هذا هو الشكل. أما الجوهر، فهو إسقاط موضوع السربية على الواقع الفلسطيني. في مطولات القاسم ما يشبه المسرح في المسرح الذي غالباً ما لجأ إليه شكسبير في مسرحياته، فقد أسقط في ديوانه «كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه» (2000) الأصل الشكسبيري لمسرحية «هاملت» على المسرح الفلسطيني، متخذاً من هاملت قناعاً شخصياً له، وهو يسأل: هل أنا هاملت أم سميح؟ وأحياناً يسأل: هل أنا سميح أم مسيح».
كذلك سربية «انتقام الشنفرى»، حيث يتقمص القاسم شخص أهم الشعراء الصعاليك في الجاهلية وأجمل غراب للعرب، وهو الذي انتقم من العشيرة بقتلها جميعاً. سميح القاسم هو الأقرب الى هاملت من حيث تفرّده بالدعوة الى الانتقام، وتفرّده بأنه يقول بمقايضة الموت بالموت والدم بالدم أكثر مما يدور في فلك المصالحات. إنه ينفرد في ذلك عن شعر محمود درويش، فهو شعر مصالحة «إنسانوية». ورغم النبض الإنساني في شعر سميح، إلا أنّه كموقف سياسي حاد جداً وواضح جداً، وهو أقرب الى رموزه التاريخية من أي شاعر فلسطيني آخر. وبإمساكه بأشباح هاملت وآلامه، يلعب في القصيدة تقنية المرايا: «أنا هاملت العربي اشهدوني/ أدرّب عقلي على أُحجيات الجنون/ أبي ميت لا يموت/ وأمّيَ أمي/ وملكي نهبٌ لعمي».
مات الصديق الجميل سميح القاسم حيث كان يقيم في «الرامة» من الجليل الغربي، ولم يكن الموت يخيفه. كان يكره الموت ولكنه لا يخاف منه. يقول في «كولاج 3» معاتباً السرطان: «اشرب فنجان القهوة يا مرض السرطان/ كي أقرأ بختك في الفنجان». سميح كان قريباً جداً من نفسي، وقريباً شخصياً أيضاً أكثر من سواه. عفوي وطفل وحرّ. نقي ساخر وساحر، وإذا كان «القرب حجاباً» كما يقول ابن عربي، فها هو سميح القاسم يبتعد قليلاً ليتركني أقرأ شعره.
* شاعر لبناني