حسناً، يبدو أنه لا مفرّ من الكتابة عن الأمر.

النجاح في التهرّب من هذه «المهمة» أمام إدارة التحرير، لم ينعكس على من طالب به من الأصدقاء، ومن عدد من القرّاء. أما الزملاء في الوسائل الإعلامية ففرضوا أمراً واقعاً، بعدما حوّلوا أجواء المقابلة إلى مادة إخبارية يرغب الكثيرون في معرفة تفاصيلها. الأسئلة التي تنهمر لا تترك تفصيلاً إلا وتحاول معرفته: صحته، شكله، سلوكه، نوع الضيافة، لائحة طعام العشاء الذي دعانا اليه، عدد المرات التي ضحك فيها، الإجابات الخاصة التي لم تنشر... والمشاعر التي راودتنا.

يمكن الإجابة عن كلّ الأسئلة التفصيلية التي ذكرت أعلاه. لكن، كيف يمكن إقناع الكثيرين من المطالبين بكتابة «نص شخصي» عن اللقاء، أن هناك أموراً لا يمكن كتابتها. هذا شعور قد يراود أي شخص يلتقي قائداً بمستوى الأمين العام لـ«حزب الله». فكيف إذا كان هذا الشخص مُحِبّاً ومُعجَباً ومديناً بالجميل؟
كلّ ما يعدّ له صحافي «منحاز» بقوة إلى ضيفه، هو أن يحاول القيام بعمله على أكمل وجه. أن يطرح كلّ الأسئلة التي يَفترضُ أنها يجب أن تطرح عليه كلاعب أساسي في المنطقة، وكقائد جماهيري محبوب. وأن تقدّم الإجابات في قالب مفيد وممتع. كان هذا هو التحدّي الأساسي، خصوصاً أننا نعرف صعوبة الحصول على «سبق صحافي» من السيّد، بالمعنى الخبري المباشر. وكلّ متابع لأداء قائد المقاومة الإعلامي، يستنتج أنه غالباً ما يعلن عن مواقف حزب الله من خلال إطلالاته المباشرة التي تصنع الحدث. فيكون الإعلان عن موعد الإطلالة خبراً بحدّ ذاته. وفق هذا السياق، يصبح مجرد إجراء المقابلة «سبقاً»، قدّمه السيّد إلى المؤسسة الإعلامية. وعلى هذه المؤسسة أن تستحقه من خلال تقديمه بشكل ناجح إلى جمهورها.
لكن هذه ليست كلّ الحقيقة. أو أنها لا تبقى مقتصرة على ذلك بعد اللقاء الذي ناهزت مدّته الست ساعات. ذلك أنه ما إن أُعلن عن اللقاء، حتى انهالت ردود الفعل الغاضبة من زملاء «مغتاظين» لأنهم لم يحظوا بالفرصة نفسها، وانهمرت الاتصالات من مهنّئين تجاوز عددهم بكثير الاتصالات المهنئة بالتفرّغ في الجامعة.
وفي الحالتين، لا يجد الشخص بدّاً من التعويض للغاضبين والمهنئين على حدّ سواء من خلال سرد تفاصيل التفاصيل. فيتكرّر الحديث نفسه عشرات المرات: تنقلنا في أربع سيارات قبل الوصول إلى مكان اللقاء. نعم، هناك رهبة يفرضها حضور السيّد، وهو من يعمل على كسرها من خلال ابتسامته ومبادرته بالحديث. كان لافتاً بانفتاحه ورحابة صدره، فتح قلبه «تحت الهواء» أكثر من مرة، وكان مستمعاً باهتمام، ولم يقلّل من أهمية أي سؤال، سواء كان خفيفاً، أو مشكّكاً في مسلّمات، أو حتى معبّراً عن اعتراض. دعانا إلى العشاء في غرفة أخرى وكان حريصاً على القول إنه عشاء تكريمي لـ«الأخبار» في عيدها الثامن. تناول شوربة الخضار والكبة باللبن. أما بقية الأطباق فكانت فاصوليا عريضة ورز، هندباء، بطاطا حرّة، ودجاج بالكاري، إضافة إلى السلطة....
لا تنتهي أسئلتهم، فيلفتون نظرك إلى ما فاتك طرحه. تشعر في لحظة من اللحظات أنك لم تكن تجري مقابلة على الرغم من عشرات الأسئلة التي طرحت على مدى ساعات. إذا طلب منك أن تصف ما حصل تلك الليلة، قد تكتفي بالقول: كانت سهرة مع السيّد... وحفاظاً على ماء الوجه، لم نعد بخفي حنين. عسى إجابات القائد الباسم عن أسئلة «الأخبار» تخفّف نقمة المحبّين الذين لم يحظوا بفرصة اللقاء، وعسانا نكون استحقينا هديته لنا في عيد الجريدة وعيد الانتصار.