تُمثل العوّامات جزءاً من الذاكرة البصرية للمصريين المتعلقين بأفلام الأبيض والأسود، إذ كان حضورها طاغياً في تاريخ هذه الذاكرة. ولكن ليس هذا التمثيل الوحيد والأهم، فتلك العوّامات لها تاريخ آخر، إذ لعبت دوراً سياسياً في تعيين حكومات والإطاحة بأخرى. تاريخ طويل من مقاومة بطش السلطة منذ عام 1966 إلى يومنا هذا. اليوم، يقف المصريون على بُعد ساعات من محو هذه الذاكرة، الشاهدة على تحولات عصفت بالمجتمع المصري من قرون ماضية. تسبّب هذا البطش في تحطيم 477 عوّامة من أصل 500 على خلفية قرار الحكومة المصرية بإزالة المنازل العائمة أو العوامات في نهر النيل.

هكذا، ستمحو مصر شاهداً أساسياً على تاريخها، فالعوامة الرقم 66 مثلاً، كانت ملك الفنانة منيرة المهدية التي كانت على صلة بكبار المسؤولين في حقبة تاريخية مفصلية راوحت من عام 1914 إلى 19 أيار (مايو) 1919. كانت المهدية على صلة برئيس الوزراء آنذاك حسين باشا صدقي الذي تحكّم بمصير خمس وزارات من عام 1914 إلى عام 1919. كتبت في مذكّراتها هذا الحديث، الذي أورده الكاتب عصام نبيل في ملف بعنوان «تاريخ العوامات على نيل المحروسة». وهناك عوامة شهيرة بـ «ملكة العوامات» كانت ملكاً لحكمت فهمي الراقصة الشهيرة التي كانت تعمل جاسوسة لصالح الألماني يوهان إبلر ضد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، حتى تم القبض عليها وعلى إبلر بواسطة فتاة ليل فرنسية، وكان معها السادات الذي ساعدها في تصليح أجهزة الاستخبارات والإرسال.

سكنتها بديعة مصابني والفنان نجيب الريحاني، والمطرب فريد الأطرش


امتلك عدد كبير من الفنانين عوامات، وشهدت هذه العوامات على حكايات غرام وانتقام. ومن أبرز الفنانين الذين سكنوا البيوت العائمة، الراقصة اللبنانية بديعة مصابني وزوجها الفنان نجيب الريحاني، والمطرب فريد الأطرش الذي لحّن من قلب عوامته أجمل أغانيه «حبيب العمر»، ونجيب محفوظ سكن عوامة 25 عاماً شهدت ولادة ابنته الكبرى، حتى رحل عنها عندما استيقظ على خبر غرق طفلة هناك. وقد كتب عن تلك الحياة المثيرة روايته «ثرثرة فوق النيل» عام 1966، أي سنة إصدار وزير الداخلية زكريا محيي الدين قراراً بنقل العوامات من الزمالك والعجوزة إلى إمبابة والكيت كات. لم يُرض هذا القرار البشاوات ساكني العوامات، ليهجروا تلك العوامات تاركيها لمصير لا يعلمه أحد. تستقرّ العوامات الباقية اليوم عند نهاية كوبري إمبابة، يسكنها أناس باعوا من أجلها كل ما يملكون، حالمين بحياة هانئة. في عام 2016، بدأ التضييق الرسمي على سُكان العوامات. بعد أن كانوا يدفعون نظير المتر المكعب، صاروا يدفعون نظير المتر المربع. تحكي لنا الأديبة أهداف سويف التي تسكن إحدى العوامات: «بداية من عام 2018، هناك تعنّت واضح ضدنا لم نكن نعيه. كُنا نحسن النية دوماً ولم نكن نتصور أن الهدف إزالة العوامات، حتى بعدما صدر قرار بعدم تجديد رخصة العوامات في كانون الثاني (يناير) 2020، لا أعرف ماذا أفعل».
اليوم، نقف على قرب نهاية مأساوية أخرى لجزء هام من تاريخ مصر، أو كما قال نجيب محفوظ على لسان أحد أبطاله: «فيا أيّ شيء، افعل شيئاً، فقد طحننا اللاشيء»... لتكون هذه العبارة التي ردّدها أحد أبطاله في السنة التي أصدر فيها زكريا محيي الدين قراراً يبطش بالعوامات، هو لسان حال ساكني العوامات اليوم.