طهران | تُفيد غالبية التصريحات الصادرة عن الأطراف المشاركة في محادثات إعادة إحياء الاتفاق النووي في فيينا، بأن الجولة الثامنة ربّما تحمل خرقاً ما، في وقت عادت لتتعالى فيه الأصوات الداعية إلى تحديد مهل زمنية. وتتمثّل الميزة الأهم لهذه الجولة، في الدخول إلى مرحلة المحتوى، وتناوُل نصّ مسودّة الاتفاق، وذلك بعد مرحلة صعبة، تركّزت على وضْع إطار المحادثات. وكان الفريق الإيراني المفاوِض قد قدّم، في الجولة السابقة، اقتراحات جديدة أبدى فيها معارضته مواصلة المفاوضات من حيث انتهت الجولة السادسة (إبّان إدارة الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني)، ما أثار تذمُّر الأطراف الغربية. لكن هذا لم يَحُل، في نهاية المطاف، دون التوصّل إلى اتفاق على إطار جديد، يأخذ بعين الاعتبار ما انتهت إليه الجولة السادسة، ويراعي في الوقت نفسه الملاحظات الإيرانية الجديدة، علماً أن أبرز المواضيع الخلافية تتلخّص في كيفية التحقّق من رفع العقوبات الأميركية، وتقديم الضمانات بعدم تكرار تجربة الانسحاب من «خطّة العمل المشترك الشاملة»، وأيضاً مصير اليورانيوم المخصّب وأجهزة الطرد المركزي الإيرانية المتطوّرة.

وفيما أفيد بأن الجولة الثامنة ستستمرّ حتى اليوم، فهي ستعود لتتوقّف ثلاثة أيام، ابتداءً من يوم غدٍ الجمعة وحتى الأحد، بسبب عطلة رأس السنة الميلادية، على أن تُستأنف اعتباراً من الإثنين المقبل. وفي هذا الإطار، أشارت وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن المصادر القريبة من الوفد المفاوِض، كانت قد أعلنت قبيل بدء الجولة الجديدة، أن الوفد جاهزٌ للبقاء في فيينا حتى الوصول إلى النتيجة المرجوّة في أقرب فرصة زمنية ممكنة. وبينما أكّد الجانب الإيراني أن «المحادثات تسير في الاتجاه الصحيح»، متحدّثاً عن إمكانية التوصّل إلى اتفاق في «المستقبل المنظور»، أيّد الجانب الروسي وجود «تقدّم» أيضاً، وذهب نظيره الصيني إلى احتمال توقيع اتفاق «قبل شهر شباط». لكن في مقابل هذا التفاؤل، لا تزال تُسمع أصوات أخرى في فيينا تطالب بتحديد مهل زمنية لإنهاء المحادثات، وهو ما برّره مفاوِضو الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وألمانيا وفرنسا)، في بيان قبل يومين، بأنهم لا يحدّدون «مهلة زمنية مصطنعة»، لكنهم على ثقة بأن «خطّة العمل المشترك الشاملة» تقترب من أن تصبح غير ذات معنى بالكامل، في ظلّ مواصلة إيران تطوير برنامجها النووي، ما يعني أنه ثمّة فرصة زمنية متبقّية لعدّة أسابيع فحسب، لا أشهراً، حتى تتمّ إعادة إحياء الاتفاق. وفي السياق ذاته، أبلغت مصادر ديبلوماسية إيرانية مطّلعة، «الأخبار»، بأن الأطراف الأوروبية حذّرت طهران من أنها ستتريّث حتى كانون الثاني المقبل، وفي حال لم تعُد الأخيرة إلى التزاماتها النووية، فإن الأولى ستّتجه إلى اعتماد خيارات أخرى، بما فيها «آلية الزناد» (إعادة الملفّ إلى مجلس الأمن الدولي)، وفرض عقوبات جديدة.

أرسلت إيران خلال الأسابيع الماضية إشارات إيجابية في شأن إرادتها التوصّل إلى اتفاق


وتتزامن هذه التطوّرات مع سعْي كلّ من واشنطن وتل أبيب إلى تصعيد ضغوطها على طهران، كي تتنازل عن بعض مطالبها. ومن هذا المنطلق، قال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، إن التقدّم في محادثات فيينا «بطيء للغاية»، مقارنة مع سرعة تقدّم البرنامج النووي الإيراني، محذّراً من أن من المستحيل مواصلة هكذا مسار، وأن وقت العودة المتبادلة إلى الاتفاق النووي سينفد قريباً. ولكن يبدو أن إيران عملت، خلال الأسابيع الماضية، بموازاة تشدّدها في المفاوضات، على إرسال إشارات إيجابية، مفادها أنها تريد بالفعل التوصّل إلى اتفاق. وفي هذا السياق تحديداً، جاءت موافقتها على تركيب كاميرات «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في منشأة كرج النووية، والتصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس «هيئة الطاقة الذرية الإيرانية»، محمد إسلامي، والتي أكّد فيها أن إيران غير جاهزة لتخصيب اليورانيوم بنسبة تزيد عن 60 في المئة، الأمر الذي عُدّ مؤشّراً إلى أن طهران تريد خفض التصعيد وإظهار حسن النيّة. وعلى الخطّ ذاته، أفادت مصادر ديبلوماسية إيرانية، «الأخبار»، بأن إيران «ليست بصدد شراء الوقت لتصنيع سلاح ذرّي، بل إن تشدّدها خلال المحادثات ناتج من توجّسها من أن يحصل اتفاق ضعيف وهشّ يعيق قدرتها على الإفادة من تفاصيله».
وبين الآمال المعقودة وتحديد المُهل الزمنية وملاحظات الأطراف المتفاوِضة، لا يمكن حتّى الآن تصوّر آفاق واضحة لمحادثات فيينا. لكن يبدو أن الجميع حريصون على إعطاء زخمٍ ودفع للمحادثات، حتّى تحقيق تقدّم لافت فيها، وإن استمرّت هذه الجولة أسابيع عدّة.