أعلنت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أمس، توجيه الاتهام الى الزميلين ابراهيم الامين (رئيس تحرير «الأخبار») وكرمى خياط (نائبة مدير الاخبار في قناة «الجديد») بتعمد تحقير المحكمة من خلال نشر مواد سرية. وحددت الثالث عشر من ايار المقبل موعداً لبدء المحاكمة في مقر المحكمة في لاهاي.

وبحسب بيان وزعته المحكمة امس، استدعي الأمين وخياط و«الأخبار» و«الجديد» للمثول أمام المحكمة الخاصة لاتهامهم بالتحقير وعرقلة سير العدالة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وتأتي هذه التهم عقب تحقيقٍ في ثلاثة أحداث أجراه صديق للمحكمة اسمه ستيفان بورغون، عيّنه رئيس قلم المحكمة بناءً على طلب من القاضي دايفيد باراغواناث الناظر في قضايا التحقير. واستنتج باراغواناث، عقب تلقيه تقارير مقدّمة إليه من صديق المحكمة، أنّ هناك أدلّة أوليّة في اثنين من هذه الأحداث تبرّر قيام إجراءات دعوى التحقير. والتحقيق في الحدث الثالث مستمر.
وبحسب قرار الاتهام فإن، «شركة تلفزيون الجديد ش. م. ل. وكرمى محمد تحسين الخياط متهمتان بما يلي:
ــــ عرقلة سير العدالة عن علم وقصد ببثّ و/ أو نشر معلومات عن شهود سرّيين مزعومين.
ــــ عرقلة سير العدالة عن علمٍ وقصد بعدم إزالتهما من موقع تلفزيون الجديد و/ أو موقع قناة تلفزيون الجديد على يوتيوب معلومات عن شهود سريين مزعومين.
وشركة أخبار بيروت ش. م. ل. وابراهيم محمد الأمين متهمان بما يلي:
ــــ عرقلة سير العدالة عن علم وقصد من خلال نشر معلومات عن شهود سريّين مزعومين في قضية عياش وآخرين».
وأوضح القاضي الناظر في قضايا التحقير في قراره أنّ نشر أسماء شهود مزعومين قد يشكّل عرقلةً لسير العدالة، لأنّه يقلل من ثقة الشهود الفعليّين والجمهور العام في قدرة المحكمة وعزمها على حماية شهودها.
وكتب باراغواناث في قراره عن المبادئ الأساسية لحرية التعبير، ومنها حرية الصحافة وحسن سير العدالة. وأكد أهمية الصحافة «باعتبارها الوسيلة التي تتيح للمجتمع أن يرى، ويسمع، وينطق، تبلغ أوجَها عندما تتواجه مع سلطة صانعي القرارات العامة، مثل القضاة». غير انه شدد على «أنه كما يجب على القضاة، يجب على سائر المجتمع ووسائل الإعلام امتثال القانون. وبالنسبة إلى سيادة القانون، لا شيء أهمّ من عدم عرقلة سير العدالة عن قصد». وهذه المبادئ «لا تمسّ بقدرة الصحافة على التعليق على عمل المحكمة، بما في ذلك انتقادها».

التحقيقات

وفي ما خص التحقيق الذي قام به صديق المحكمة، فإنه شمل بداية «مصدر المعلومات التي يزعم تسريبها». وقال القرار ان صديق المحكمة «حقق في جملة أمور شملت ما إذا كان أحد موظفي المحكمة الذين بإمكانهم الاطلاع على مستندات سرية هو الذي كشف المعلومات المتعلقة بهوية الشهود السريين المزعومين. وكنت لأتمنى أن أرى حجة محتملة للدفع بتبرير أي من عمليات النشر استناداً إلى قيام أحد موظفي المحكمة، عن سوء نيّة، بكشف هوية الشهود السريين المزعومين، واحتمال حدوث ذلك بسبب خلل في أنظمة المحكمة. ولكن صديق المحكمة خلص إلى أنه على الرغم من المزاعم التي ذكرت أن التسريبات كانت من داخل المحكمة، فإن الأدلة التي جمعت في تحقيقه تشير إلى عدم احتمال أن يكون أيّ من تلك المعلومات قد أرسل من داخل المحكمة».
لكن القرار اوضح بأن «صديق المحكمة قدم أدلة كافية تفيد بأنّ تلفزيون الجديد بثّ في 6 و7 و9 و 10 آب 2012 خمس حلقات عنونت «شهود المحكمة الدولية». وفي كل حلقة من هذه الحلقات، تحدث مراسلون صحافيون إلى أشخاص زعم تلفزيون الجديد أنهم من شهود المحكمة السريين في قضية عيّاش وآخرين. وبلغ عدد هؤلاء الشهود السريين المزعومين أحد عشر شاهداً. وقدمت بعض المعلومات عن هوية كل واحد من الشهود السريين المزعومين. وإضافة إلى ذلك، زعم في تلك التقارير أنها تكشف عن تفاصيل حول نوع المعلومات التي قدّمها الشهود السريون المزعومون إلى محققي المحكمة. وكان الفحوى الوحيد للبرنامج الكشف عن الشهود السريين المزعومين. وفي ما بعد، نقلت مواد البثّ إلى موقع تلفزيون الجديد (www.aljadeed.tv) حيث بقيت حتى 4 كانون الأول 2012 على الأقل، وإلى قناة تلفزيون الجديد على موقع يوتيوب (www.youtube.com/user/aljadeedonfine) حيث لا تزال معروضة حتى الآن».

قاضي المحكمة
يطلب عقوبة تصل
الى السجن 7 سنوات ومئة الف يورو

ويبرر القاضي اتهام الزميلة خياط بأنها «نائبة مديرة قسم الأخبار والبرامج السياسية في تلفزيون الجديد، وأحد مالكي أسهم الشركة. وهي أجازت عمليات بثّ هذه المواد على تلفزيون الجديد ونقلها لاحقاً إلى موقع تلفزيون الجديد وقناة تلفزيون الجديد على موقع يوتيوب. وكذلك كانت تتمتع بسلطة إزالة هذه المواد. وقد تصرّفت بالنيابة عن تلفزيون الجديد عندما مارست هذه السلطة».
اما في ما يتعلق بجريدة «الاخبار»، فقال القرار «ان صديق المحكمة يقترح اسناد تهمة تحقير المحكمة عملاً بالمادة 60 مكرر، الفقرة (الف) من القواعد الى شخصين، هما شركة اخبار بيروت ش. م .ل، الشخص المعنوي الذي يعمل تحت اسم الاخبار، والسيد ابراهيم محمد الامين رئيس تحرير الاخبار ورئيس مجلس ادارتها، واذكر ان التهمتين يجوز اسنادهما، من حيث المبدأ، الى شركة (الاخبار) وشخص طبيعي (السيد الامين) على حد سواء. ويقترح صديق المحكمة اتهام الاخبار والسيد الامين كليهما لعرقلتهما عن علم وقصد سير العدالة من خلال نشر معلومات متعلقة بشهود سريين مزعومين في قضية عياش واخرين، ما ادى الى تقويض ثقة الرأي العام في قدرة المحكمة على حماية سرية المعلومات المتعلقة بالشهود، او شهود محتملين، او سرية المعلومات التي يقدمونها».
وبرغم اقرار القاضي بأنه لم يسبق حتى تاريخ صدور هذا القرار «رفع اي دعاوى تحقير امام محكمة جنائية دولية ضد شخص معنوي»، فهو اشار ايضا الى ان «عدداً من ابرز الفقهاء استبعدوا فكرة المسؤولية الجنائية عموما للاشخاص المعنويين وفقاً للقانون الدولي»، مستنداً الى قول لورد ثورلوو في القرن التاسع عشر، «ليس للشركات اجساد لمعاقبتها او ارواح لادانتها، لذا فهي تتصرف كما تشاء». الا ان القاضي عاد وأضاف «الا ان العقدين الاخيرين شهدا تغييراً كبيراً، وتحديداً في الدول التي تطبق القانون المدني، فقد لاحظت دراسة حديثة عن مسؤولية الشركات في اوروبا الى محاسبتها على ما تقترفه هي او موظفوها من اعمال جرمية». ثم يعود الى القانون اللبناني لينتقي منه اقرار لبنان «بالمسؤولية الجنائية للشركات في المادة 210 من قانون العقوبات». وقال ان «لبنان اعتمد مقاربة تسمح بمحاسبة الاشخاص المعنويين على السلوك الجرمي المنسوب اليهم». وقد استخدم القاضي هذه المقدمة لشرح سابقة اتهامه شركتي «اخبار بيروت» و«الجديد» بالتهم نفسها الموجهة الى الامين وخياط.

السجن 7 سنوات

وتتعلق المادة 60 مكرر بتحقير المحكمة وعرقلة سير العدالة، فقد تمت اضافتها في 10 تشرين الثاني 2010 وعُدّلت وأُعيد ترقيمها في 20 شباط 2013. وهي «تجيز للمحكمة، عند ممارستها للمهام المنوطة بها، أن تدين بجرم التحقير كل من يعرقل، عن علم وقصد، سير العدالة، عقب تأكيد اختصاص المحكمة وفقاً للنظام الأساسي. ولا سيما (...) أي شخص يكشف عن معلومات متصلة بالإجراءات وهو يعلم أن في ذلك انتهاكاً لأمر صادر عن قاضٍ أو غرفة».
وعن العقوبات، تقول المادة ان «العقوبة القصوى التي يجوز فرضها على شخص ثبت تحقيره للمحكمة (هي) السجن لفترة لا تتجاوز السبع سنوات، أو دفع غرامة لا تتجاوز 100 ألف يورو، أو كليهما». على ان «يكون القرار الصادر عن القاضي الناظر في قضايا التحقير قابلاً للاستئناف أمام هيئة مؤلّفة من ثلاثة قضاة يعيّنهم رئيس المحكمة وفقًا للتوجيه العملي ذي الصلة».

النص الكامل للقرار الاتهامي، ونص المادة 60 مكرر