في نهاية عام 1992، مع انطلاق ما سمّي «مشروع الإعمار» أو «وعد الربيع»، لم تكن رساميل المصارف (أموالها الخاصة) قد تجاوزت 140 مليون دولار. بعد ذلك، صارت «تنتفخ» من دون توقّف، حتى بلغت الآن نحو 14800 مليون دولار، أي إنها تضاعفت على مدى 21 عاماً 106 مرّات، أو ما قيمته 14660 مليون دولار، بمتوسط زيادة سنوية يبلغ 698 مليون دولار.


هذا المؤشّر «الموثّق» لا يعكس الحقيقة كاملة، بل جزءاً مهمّاً منها فقط. فالمصارف العاملة في لبنان، التي تقلّص عددها في هذه الفترة، وزّعت بالفعل أرباحاً سنوية على أصحابها خلال الفترة الماضية وصل مجموعها الى 4 مليارات دولار، كما تنامت محفظتها العقارية الى أكثر من 3 مليارات دولار بسبب السيطرة على الرهون سداداً لديون الزبائن وارتفاع الاسعار في ظل المضاربات، كذلك أنفق المتحكمون في إدارات المصارف وميزانياتها لحسابهم الشخصي نحو 3 مليارات دولار على شراء البيوت والشاليهات والسيارات والأسفار والهدايا والولائم الخاصة... واحتسبوها ضمن النفقات التشغيلية.

كسب اصحاب المصارف 19160 مليون دولار
هذا يعني أن الارباح التي حققتها المصارف في عقدين من الزمن تقدّر بنحو 21660 مليون دولار. وكي يكون هذا الحساب دقيقاً، يجدر حسم نحو 2500 مليون دولار من هذه الارباح المحققة، لكونها تمثّل قيمة السندات التفضيلية التي أصدرتها المصارف في فترات مختلفة واكتتب فيها أشخاص من خارج نادي أصحاب المصارف المباشرين. وفي الحصيلة، كسب المتحّكمون في ملكية المصارف وإداراتها نحو 19160 مليون دولار حتى الآن. المفارقة التي تؤكّد دقّة هذا الحساب أن المصارف نفسها أعلنت سنوياً عن أرباح صافية (بعد اقتطاع الضريبة) بلغ مجموعها المتراكم بين عامي 1993 و2013 نحو 15300 مليون دولار!
باختصار، حقق المصرفيون عائداً سنوياً «مضموناً» على استثمارهم يمكن تقديره بنحو 30% سنوياً على مدى 21 عاماً، وهو عائد مرتفع جدّاً بكل المقاييس، لا يمكن إنتاجه إلا من عمل سيّئ، في ألطف تعبير. إذاً، ليس صحيحاً أبداً أن الدولة عاجزة عن زيادة اقتطاعاتها الضريبية لتمويل ما هو مطلوب منها، ليس فقط على صعيد تصحيح رواتب نحو 220 ألف موظّف ومتقاعد في الإدارات والمدارس الحكومية، بل أيضاً على صعيد توفير الحماية الاجتماعية والاستثمار العام في البنى التحتية والخدمات. فأرباح المصارف هي مجرّد مثال يحاولون التعمية عليه، وهو ينطبق على أرباح المضاربات العقارية والاحتكارات التجارية وريوع الامتيازات والعقود المختلفة.
الكثير من دول العالم فرضت (أو تدرس) زيادة الاقتطاع الضريبي من أرباح المصارف بهدف استرداد بعض الأموال العامّة التي أُنفقت على دعمها سابقاً لمنع إفلاسها. في لبنان، لم يبلغ الامر هذا المستوى من التفكير السياسي. فما وافقت عليه اللجان النيابية المشتركة أمس بقي، على أهميته، مقصّراً، إذ وافق النواب على رفع الضريبة على ربح الفوائد من 5% حالياً الى 7%، ووافقوا (ولو بآلية ملتوية) على إخضاع المصارف لهذه الضريبة بعدما كانت معفاة منها. هذان التعديلان سيؤمنان زيادة في إيرادات هذه الضريبة بقيمة 260 مليار ليرة فقط في عام 2015، ستضاف الى نحو 660 مليار ليرة محققة في عام 2013، أي إن مجمل إيرادات هذه الضريبة ستكون بحدود 920 مليار ليرة فقط لا غير. لا يحتاج اللبنانيون الى أدلة إضافية للتيقّن من أن أرباح أصحاب المصارف المعروضة أعلاه، نتجت في الأساس من السياسة النقدية (تثبيت سعر صرف الليرة وأسعار الفائدة العالية) ومن الدين العام ومن الدعم المباشر على أشكاله. فالمصارف توظّف حالياً نحو 39.8 مليار دولار في سندات الخزينة (بالليرة والعملات الأجنبية) الصادرة عن وزارة المال، وكذلك توظّف نحو 22.5 مليار دولار في شهادات الإيداع الصادرة عن مصرف لبنان، فضلاً عن نحو 54400 مليون دولار موظّفة كودائع لدى المصرف المركزي، ما يعني أن نحو 116.7 مليار دولار (في نهاية 2013) موظّفة لدى الدولة وتكسب المصارف منها أكثر من 6 مليارات دولار سنوياً، عدّاً ونقداً، مموّلة من المال العام. هل من يستطيع أن يقنع دافعي الضرائب (باللغة الليبرالية) بأن اقتطاع ضريبة بنسبة 10% (مثلاً) من أرباح هذه الفوائد سيكون كارثة؟
(يتبع)