الليلة، يستعدّ جمهور الرقص المعاصر للاحتفال بالعيد العاشر لـ «مهرجان بيروت للرقص المعاصر». منذ أن أسّسه عمر راجح عام 2004، مثّل المهرجان منصّة حوّلت بيروت عاصمة عربية للرقص المعاصر. ربحت الأجساد رهانها في هذه المدينة إذاً رغم اضطرابات الأعوام الماضية. عشر فرق من النرويج، وبلجيكا، والمغرب، وألمانيا، وبريطانيا، ولبنان، وفرنسا وسويسرا واستراليا، ستحيي الحدث على مدى 17 يوماً في عروض تتوزّع على «مسرح المدينة»، و«مسرح مونو» و«مترو المدينة».


عند السابعة من مساء اليوم، يفتتح Bipod بمعرض فوتوغرافي يسترجع أبرز محطاته في «مسرح المدينة»، مع إطلاق كتاب توثيقي عن أهم لحظاته وعروضه تحت عنوان «عشر سنوات من بايبود». على برنامج هذه الدورة، حفلات ونقاشات وورشتا عمل مع راسل ماليفانت (11/4) وفيم فانديكيبوس (27/4)، على أن تُعرض الأعمال المشاركة لاحقاً في عمان ورام الله (راجع المقال المقابل) ضمن شبكة «مساحات» التي تأسست عام 2007.

أنجز المغربي توفيق عزيدو، واللبنانية يندي نمور، والفرنسي آرنو سوري لوحات حول ثيمة الحب
الافتتاح الليلة مع الكوريغراف والراقص راسل ماليفانت (1961) . بعدما شاهده الجمهور اللبناني مع سيلفي غيلام في Push خلال «مهرجانات بيت الدين 2012»، يقدّم الفنان البريطاني في المهرجان عرضه Still Current (10 و11/4 _ س: 20:30)، الذي يرتكز إلى لعبة الضوء والظل (تصميم مايكل هولز). بدأ راسل رحلته في «رويال باليه» (لندن) قبل أن ينفصل لتأسيس فرقته الخاصة عام 1996. في هذه السنوات، مثلت الإضاءة عنصراً أساسياً في أعماله. يضمّ Still Current عرضين سابقين لماليفانت: Afterlight و Two. حركات الراقصين الخمسة تتنوّع بين الكابويرا والباليه والرقص المعاصر، مسائلة العلاقة بين الأجساد وحركاتها وتفاعلها مع الضوء. هكذا تتقلّص الأجساد وتختفي وتصغر وتتفوّق على الإضاءة، فيما تعدّ هذه الأخيرة فضاءً وحيزاً في العرض.
وفيما تكاد تغيب العروض العربية عن المهرجان، سنكون على موعد مع «حبر» (12 و13/4_ س:20:30) الذي يعدّ التعاون الأوّل بين الكوريغراف اللبناني عمر راجح والسويسري مارسيل ليمان. ينطلق العمل الذي قدِّم في سويسرا أخيراً من الطاقة الناتجة من اصطدام الأجساد والكلمات معاً. لكن «حبر» يتخطى الكلمات ليقول لنا ما يفشل التعبير اللغوي عن قوله. يحتضن المهرجان أيضاً تجارب لفرق جديدة كالأسترالي شون باركر وفرقته في عرض Happy As Larry (14/4_س:20:30). العرض الديناميكي الطفولي والملوّن، استحق جوائز عدة خلال مهرجانات عالمية. يحاول Happy As Larry استكشاف السعادة البشرية الفطرية والبحث في طبيعتها، مستمدّاً تصميمه الكوريغرافي وأدواته من الطفولة وألعابها وأدواتها البسيطة. الراقصون التسعة ينخرطون في ألعاب الطفولة من خلال الباليه والبريك دانس والرولر سكايتينغ، فيما يملأ المسرح لوح أسود كبير وبالونات ملوّنة. إنه عرض صاخب وحيوي ومرح يمنحنا فرحاً مجانياً على إيقاع موسيقى الإلكترو السريعة.
يضرب لنا المهرجان موعداً تجريبياً مختلفاً مع IF/THEN for strings (17/4_ س:20:30) لريتشارد سيغال، ليكون عرضه الأول عالمياً بعدما شاهده الجمهور الألماني أخيراً. لا راقصين على المسرح. أمامنا فقط أربع عازفين على الكمان (Asasello String Quartet). في عمله، يحاول سيغال البحث في التقاطعات بين تقنيات الرقص والموسيقى، مطبّقاً تقنيات الكوريغرافيا على الآلات الموسيقية. لا يبدو العمل بعيداً عن منهاج سيغال منذ تأسيسه The Bakery بين باريس وبرلين عام 2005. على مدى تلك السنوات، انفتح على التخصصات المتعددة، وتعاون مع مهندسين معماريين ومصممين، ومؤلفين موسيقيين في مشاريعه.
في Erection (18/4_ س:20:30) للكوريغراف والرياضي الفرنسي بيار ريغال، سنكون أمام انعكاسات بصرية وضوئية حية وملوّنة تعززها دراسة سيغال للسينما. انطلق ريغال في عمله من القصص الملحمية والخيال العلمي والفلسفة ليستثير أسئلة كثيرة على مدى 45 دقيقة: الحياة وتطوّر الكائن البشري. هكذا، يقدّم سيغال عرض سولو راقصاً، فيقذف بجسده الوحيد على المسرح في حركة سريعة، ومن زاوية إلى أخرى ضمن المستطيل الأخضر، محاولاً البحث عن أجوبة وسط فضاء مجرّد زماناً ومكاناً. أما B to B (19/4 _ س:20:30) فهو ثمرة تعاون بين البلجيكي توماس هايرت الذي أسس فرقته Zoo عام 1997، وبين الإسبانية أنجل مارغريت التي أنجزت منذ 1985 حتى اليوم أكثر من 20 عرضاً. إنها لعبة، سلسلة من الكلمات ولدت من الرغبة في جعل الراقصين يلتقيان من خلال اللغة، بوصفها البنية التي يتعلّق فيها ماضيهما وحاضرهما، وبوصفها العنصر الجامع والمفرق بينهما. ينجح الراقصان في أداء ممتع ومتقن، وينطلقان من حرف B في رحلة بين بروكسيل وبرشلونة.
في Miniatures (22/4 _ س: 20:30)، سنشاهد ثلاث لوحات راقصة قصيرة. دعا مشروع Danse Map ثلاثة كوريغراف لتقديم أعمالهم الخاصة، هم: المغربي توفيق عزيدو، واللبنانية يندي نمور، والفرنسي آرنو سوري. أنجز الثلاثة لوحات راقصة بلغاتهم الفنية ورؤاهم المختلفة حول ثيمة الحب.
عمل مميز على برنامج المهرجان يأخذ التجريب إلى أقصاه. إنه موعد مع السويسري فيليب سير (1957) وفرقته التي أسسها عام 1986. في عرض Black Out (22 و23/4 _ س: 19:00، وس: 20:30)، يركّز على الفنون البصرية، فتصبح الأجساد جزءاً من لوحة كبيرة. هذا ما اعتدناه في عروض سير الذي يعمل على تقريب الفنون البصرية والرقص. تتبلور الجمالية البصرية في هذا العمل من خلال مئات الحبيبات السوداء على المسرح التي تترك عليها أجساد الراقصين الثلاثة أثراً، مشكّلةً لوحات فنية. هذه اللوحات سيشاهدها الجمهور من أعلى. تستدعي وصفة سير بين الرقص والشق البصري شعوراً قوياً بالخسارة اللا متوقعة، فيما تتفحص هشاشة الوجود ومصادفة الحياة، ملقية نظرة تأملية على عبثية الموت في العالم الناتجة من الإبادات الجماعية، والمرض والأوبئة، والعنف العشوائي.
في عرضهما Nothing›s for something (24/4_س:20:30)، يعود الكوريغراف النروجي هاينه آفدال واليابانية يوكيكو شينوزاكي (فرقة Fieldwords) إلى المسرح الراقص. درس هاينه في الكلية الوطنية للفنون في أوسلو، فيما تأتي يوكيكو من خلفية الباليه الكلاسيكي الذي درسته في طوكيو، والرقص المعاصر أيضاً. خلال رحلتهما الفنية المشتركة (13 سنة)، عمل الثنائي على إشكاليات كالمساحة والفضاءات، وأخرى حول العلاقة بين الراقص والجمهور. أما هذا العمل، فيبحث في الجسد ويسائل فرضيات أصالة الدوافع، ويعمل على إظهار ما هو مخفي، فيما يكشف الحقائق الكامنة وراء الحالات الظاهرة.
يختتم المهرجان مع أحد أهمّ مؤسسي الرقص المعاصر في بلجيكا. إنّه فيم فانديكيبوس (1963) الذي تخرج في علم النفس، وعمل لفترة مع الكوريغراف البلجيكي جان فابر، قبل أن يؤسس فرقته Ultima Vez عام 1986. هكذا، اتجه إلى الرقص بعدما كانت تشغله إشكالية الجسد والعقل. أنجز فيم عرضه الأول «ما لا يتذكره الجسد» عام 1987 الذي مثل صدمة لعالم الرقص في أوروبا حينها، وحاز عنه «جائز نيويورك للرقص والأداء». العمل الأول في مسيرة الكوريغراف سيستضيفه المهرجان (26 و27/4_س:20:30) ضمن الجولة العالمية التي يقوم بها حالياً. إنه عرض ملفت يجنح بالأجساد إلى حالتها القصوى. ضمن 6 مشاهد لا تخلُو من الفوضى والرعب والخطر والإيروتيكية العنيفة، يقف العرض على الحافة الشائكة بين الجذب والنفور.

Bipod: بدءاً من اليوم حتى 27 نيسان (أبريل) ــ مسارح «المدينة»، و«مونو»، و«مترو المدينة» _ للاستعلام:
www.maqamat.org




معرض وكتاب

ضمن إطار العمل التوثيقي، أقام Bipod حتى الآن 5 معارض فوتوغرافية، وقدم عدداً من أعمال الفيديو. اليوم يفتتح الحدث بمعرض صور، وبإطلاق كتاب «عشر سنوات من بايبود». يستعيد الكتاب أهم المحطات في تاريخ المهرجان، وأبرز الوجوه التي مرّت عليه، إلى جانب شهادات نقاد، وصحافيين، ومديري مهرجانات وعدد من الفرق والراقصين الذين أحيوا أمسيات وشاركوا في الحدث. يتضمّن الكتاب أيضاً صوراً، فيما يرصد عدد الفرق التي شاركت على مدى 10 سنوات، وتزايد نسبة الجمهور، وورشات العمل، والحلقات الحوارية. كذلك، نقرأ كلمة عمر راجح التي كتبها هذه السنة في مناسبة بلوغ «بايبود» عامه العاشر.