استعادت الخرطوم حصانةً سيادية منقوصة بموجب قانون سيُجنّبها الملاحقات القضائية عن هجمات تقول الولايات المتحدة إنها ضالعة فيها. وهي خطوةٌ جاءت بعد أخرى رُفع بموجبها اسم السودان من القائمة الأميركية لـ»الدول الراعية للإرهاب»، وتُمثّل خاتمة المطالب لمُضيّ هذا البلد قُدُماً في تطبيع علاقاته مع إسرائيل. مع ذلك، يتضمّن القانون الذي عدّته الخرطوم «تطوّراً تاريخياً كبيراً» استثناءً يسمح بالاستمرار في نظر الدعاوى القضائية أمام المحاكم الأميركية، والمتعلّقة بهجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر.ومع تبنّي الكونغرس الأميركي في ختام مفاوضات طويلة، أوّل من أمس، قانوناً يمنح السودان حصانةً من أيّ ملاحقة قضائية جديدة في الولايات المتّحدة تتعلّق بهجمات سابقة، تكون الخرطوم قد استحصلت جائزتها الكبرى للمُضيّ قُدُماً في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. ولهذه الغاية، بذلت إدارة الرئيس دونالد ترامب جهوداً كبيرة لتمرير التشريع «خشية» تنفيذ السودان «تهديده» بإعادة النظر في اتفاق التطبيع الذي تمّ انتزاعه تحت ضغط أميركي هائل في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وعلى مستوى الفرحة السودانية، جاءت تلك الإسرئيلية، إذ علّق وزير الاستخبارات، إيلي كوهين، لتلفزيون «واي نت»، قائلاً إن التطورات الأميركية ــــ السودانية تعني «بالتأكيد» إحراز تقدّم في اتجاه التوصّل إلى معاهدة إسرائيلية ــــ سودانية، مبشّراً بـ»حفل توقيع في الأسابيع أو الأشهر المقبلة».
سيحصل السودان على مساعدات مباشرة وغير مباشرة بقيمة 1,1 مليار دولار أميركي


وينصّ التشريع الأميركي المعروف أيضاً باسم «السلام القانوني»، والذي يندرج في إطار ملحق ضخم بالموازنة الأميركية، على «إعادة الحصانة السيادية للسودان في الولايات المتحدة (...) باستثناء القضايا التي ما زالت عالقة أمام القضاء الفدرالي» والمتعلّقة بهجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001. وبهدف الوصول إلى الخاتمة السعيدة، جرت مفاوضات شاقّة بين وزارة الخارجية الأميركية وأعضاء في الكونغرس للتوصّل إلى حلّ وسط في شأن الصيغة التي سيُقَرّ هذا التشريع بموجبها. إذ سعى السيناتوران تشاك شومر وبوب مينينديز اللذان يمثّلان على التوالي ولايتَي نيويورك ونيوجيرسي، اللتين يتحدّر منهما عدد كبير من ضحايا هجمات عام 2001، إلى صيغة للتشريع لا تحرم ذوي هؤلاء الضحايا من حقّهم في مقاضاة السودان لدوره في دعم تنظيم «القاعدة» في الماضي. وبُعيد تبنّي النص، قال السيناتور الديموقراطي، كريس كونز، إن القانون سيساعد السودان «على العودة إلى الاقتصاد العالمي ويُشجّع الاستثمار الأجنبي والنموّ الاقتصادي في البلاد وكذلك الانتقال المدني إلى الديموقراطية»، فيما أكّدت وزارة العدل السودانية أنه بموجب هذا التشريع سيحصل البلد على مساعدات مباشرة وغير مباشرة بقيمة 1,1 مليار دولار أميركي «وهي مساعدات منفصلة عن مبلغ المليار دولار الذي التزمت الولايات المتحدة بدفعه للبنك الدولي لسداد متأخّرات السودان المستحقة للبنك». ويتوزّع المبلغ بين 700 مليون دولار كمساهمة في تمويل برامج الحكومة الخاصة بتقديم الدعم المباشر للأسر والرعاية الصحية، و111 مليون دولار لسداد جزء من الديون، و120 مليوناً للمساهمة في سداد ديون لمصلحة «صندوق النقد الدولي»، كما سيتمّ تخصيص مبلغ 150 مليون دولار على شكل تعويضات للمتضرّرين من التفجيرين اللذين نفّذهما تنظيم «القاعدة» ضدّ سفارتَي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في عام 1998. كذلك، يتيح التشريع إبطال كلّ الأحكام التي حكمت بها المحاكم الأميركية مسبقاً في قضية السفارتَين، والقاضية بتغريم السودان 10.2 مليارات دولار، بحسب بيان وزارة العدل. كما يَشطب تشريع الكونغرس كلّ القضايا الأخرى المرفوعة ضدّ هذا البلد، ومن بينها خمس قضايا رُفعت هذا العام تتّهمه بدعم حركة «حماس» في أعمال «إرهابية»، تَضرّر منها مواطنون أميركيون مقيمون في إسرائيل، فضلاً عن قضية أخرى رفعها بحّارة أميركيون كانوا على متن المدمّرة «كول». وتابعت الوزارة: «وعليه (...) البلد أصبح مكتمل الحصانة السيادية أمام أيّ محاولات مستقبلية للتقاضي ضدّه». في هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية السودانية، أمس، أن وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، سيزور الخرطوم في السادس من كانون الثاني/ يناير المقبل. وقالت مديرة دائرة أميركا الشمالية في الخارجية السودانية، مها أيوب، لوكالة الأنباء السودانية، إنّ منوتشين سيلتقي رئيس «مجلس السيادة»، عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إضافة إلى مسؤولين في وزارات المالية والريّ والشؤون الاجتماعية. وعلى جدول أعمال المحادثات، الوضع الاقتصادي ومساعدة الولايات المتحدة للخرطوم وسداد الدين الذي يناهز ستين مليار دولار.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا