سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | إثر اتساع رقعة الاحتجاجات في محافظة درعا، حسم عددٌ من شباب مدينة دوما قرارهم الالتحاق بركب الاحتجاجات. مساء 25/3 /2011، الجمعة التي اتُفق على تسميتها «جمعة العزة»، وبالتنسيق مع شبان من مدينة حرستا، تمكّن نحو 300 شخص من التجمّع في ساحة البلدية في دوما.


في ذلك الوقت، لم يكن واقع «الترقب» الذي كانت تعيشه الغوطة الشرقية، يسمح بأكثر من اعتصام صامت، سرعان ما انفكَّ مع وصول أول وحدة من قوات حفظ النظام، من دون اشتباكات أو إطلاق نار، لتسجّل فاتحة عهد الاحتجاجات الأسبوعية في الغوطة الشرقية. دخلت دوما سريعاً في الحراك، لتقود بعد عشرين يوماً مغامرتها في الوصول إلى ساحة العباسيين في دمشق، المغامرة التي انتهت باشتباكاتٍ أسفرت عن إصابة عدد كبير من المتظاهرين وقوات حفظ النظام. بعدها، سرّعت دوما خطواتها إلى ريادة التظاهرات في الغوطة الشرقية، فتحولت الاحتجاجات من أسبوعية إلى شبه يومية، وصولاً إلى العسكرة. وبالسرعة نفسها التي دخلت فيها إلى الاحتجاجات، افتتحت دوما عصر السلاح. يوم 9/ 9/ 2011، احتضنت المدينة الاجتماع الذي أعلن فيه عن تشكيل أول «كتيبة» في ريف دمشق، «كتيبة أبو عبيدة بن الجراح»، أول تنظيمات «الجيش الحر» في الغوطة الشرقية. الاجتماع نظَّمه وأسس له عبد الغفور درويش، إمام أحد مساجد بلدته جسرين (الغوطة الشرقية). وهو برز في بداية التظاهرات، من خلال تنظيم صفوف خريجي «معهد الفتح الإسلامي». لدى الحديث عن اختراقات أمنية خارجية في صفوف المتظاهرين الأوائل، يحضر اسم درويش، كأحد أول المؤسسين لعسكرة الحراك، والمشرفين على تشكيل «الهيئة الشرعية لدمشق وريفها»، والقائد في «لواء الحبيب المصطفى». وكانت دوما قد استقبلت، قبل ثلاثة أشهر من هذا الاجتماع، ابنها الخارج من سجن صيدنايا، زهران عبد الله علوش. ولا يمكن الحديث عن «المدّ الإسلامي» في دوما من دون الإضاءة على دور عبد الله علوش، الداعية السلفي الوهابي الذي جمع بين مقدراته المالية وتعاليمه الدينية لضمان أعلى نسبة تأييد ممكنة في صفوف الشباب الدوماني، لاسيما من صفوف الطبقات المهمَّشة اجتماعياً واقتصادياً. استثمر زهران الإرث الديني لوالده، والدعم المالي المقدَّم له بحكم قربه من الحكم السعودي، ليشكِّل الاثنان، علوش ودرويش، التحالف الذي كان كفيلاً بإغراق دوما، ومعها عموم الغوطة الشرقية، في مستنقع تسليح لم تخرج منه بعد.
في البداية، شكّلت ذريعة «حماية التظاهرات السلمية» الحجة الرئيسية للتسليح، ولكن سرعان ما انفلتت الأمور، و«بات الشباب المسلحون يخططون لكيفية استدراج عناصر حفظ النظام إلى التظاهرات لتصيّدهم. وبوجود السلاح، شعر الشباب بالقوة، فباتوا يطرحون الشعارات الإشكالية والمستفزّة التي حرصنا على استبعادها من الهتافات أيام التظاهرات السلمية»، يقول أبو علاء، النازح من دوما في وقتٍ مبكر إلى جرمانا. بذلك، انخرطت دوما في الصراع العسكري المباشر، ليرتفع رصيدها، كخزان أسلحة وممر دخول ومهرب للخروج، في خطط المعارضة المسلحة خلال صراعها مع الجيش السوري.
وصل التقدم العسكري للمعارضة المسلحة ذروته في دوما، منتصف عام 2012. لتبدأ مرحلة التراجع، إثر خوضها مغامرة أخرى، انعكست نتائجها تراجعاً حاداً أصاب «الكتائب» المحاربة في المدينة. استندت مغامرة «معركة دمشق الكبرى»، أواخر عام 2012، إلى مبالغة في تقدير القدرات العسكرية للمعارضة المسلحة، وقابلها الجيش السوري بمعركة «درع العاصمة» التي مهَّدت لسلسلة الانكفاء في صفوف المعارضة المسلحة خلال عام 2013.
لم يكن لدوما أن تخوض هذا الصراع من دون أن ينعكس على طابع المدينة. إذ تعيش بوابة الريف الدمشقي على الشمال حالة عزلة وتردّ لم تشهد لها مثيلاً سابقاً. «أكثر من نصف الأبنية تعرضت لأضرارٍ بالغة، واستُهدفت البنية التحتية في المدينة بشكلٍ مقصود في بعض الأحيان. قد تحتاج المدينة إلى سنوات لإعادة بناء ما تخرّب على يد الإرهاب» يقول مازن، العامل السابق في مجلس مدينة دوما. فيما يؤكد محمد غنوم، النازح من المدينة إثر الحرب، لـ «الأخبار» أنّه «لو كان في وسعنا أن نرى ما سيحدث لدوما في الأيام الأولى للتظاهرات، لقطعنا يد كل من فكر في حمل السلاح. ومهما حاول البعض تسخيف فكرة الحل السياسي، لا يزال لدينا، نحن الذين دفعنا ثمن الحرب، الأمل بالتوافقات والمصالحات الوطنية كي نرى منازلنا مجدداً».