صنعاء | لم يعد الطريق معبّداً للوصول إلى العاصمة، ولم تعد نهم (شرق) مسرح عمليات عسكرية تشعلها القوات الموالية للتحالف السعودي، وعلى رأسها ميليشيات «الإصلاح»، بين فترة وأخرى للضغط على صنعاء. فالطريق إلى العاصمة اليمنية أغلق بالكامل عبر عملية «البنيان المرصوص»، وأصبحت نهم تحت سيطرة صنعاء، حتى مشارف مركزَي مأرب والجوف، للمرة الأولى منذ أربع سنوات.

تصميم: سنان عيسى | أنقر على الصورة لتكبيرها

الأسبوع الماضي، أصدرت القوات الموالية للتحالف السعودي ضدّ اليمن إعلاناً جديداً لبدء معركة صنعاء. لكن سريعاً فقدت هذه القوات أكثر من 2500 كلم مربع من المكاسب على الأرض في جبهة نهم شرقي صنعاء، وصولاً إلى غرب مأرب، فشرق مركز الجوف. «مثلث النصر» الجديد، كما بات يوصف في صنعاء، شمل نهم وغرب مأرب وشرق الجوف، وهي جبهات يشارك فيها أكثر من 45 ألف جندي وعنصر من عناصر ميليشيات حزب «التجمع اليمني للإصلاح» («الإخوان المسلمون» في اليمن)، وكانوا قد أكملوا استعدادات على مدى أشهر بهدف تجاوز منطقة فرضة نهم للوصول إلى صنعاء. كانت تلك القوات على بعد أقلّ من 20 كلم من صنعاء، وهي أرادت تحقيق تقدّم مفاجئ في سلسلة جبال يام للوصول إلى مديرية أرحب، والانقضاض منها على صنعاء. تلك الخطة، التي اعتمدت على عنصر المباغتة في التنفيذ قبل أسبوعين، تعاملت معها قوات الجيش واللجان الشعبية بمرونة، على رغم ضخامة العدّة والعدد للقوات المهاجمة، لتعود المعركة بنتائج عكسية، فتعيد هذه القوات إلى أبواب مدينة مأرب ومشارف مدينة الحزم عاصمة محافظة الجوف.
في المقابل، وفي عملية عسكرية أطلق عليها اسم «البنيان المرصوص»، تمكّنت قوات الجيش واللجان من إسقاط جبال البياض وجبال القب وسلسلة جبال يام الاستراتيجية وسلسلة جبال المنارة الاستراتيجية، كما سقط مفرق الجوف الذي يُعدّ ملتقى ثلاث جبهات عسكرية. وبعدما أمّنت تلك القوات طريق صنعاء ــــ الفرضة ــــ مفرق الجوف إلى مشارف مدينة مأرب، باتت على بعد 20 كلم من المدينة التي يستخدمها «الإصلاح» كأهم معاقله في اليمن. وباتجاه الجوف، استعادت مديريات المتون والغيل والمصلوب والدرب، ووصلت إلى مشارف مدينة حزم الجوف. وفي مأرب، أسقطت القوات المشتركة خلال العملية مديرية مجزر، وتوغلت في وسط مديرية صرواح لتضمّ 20 كلم من المديرية إلى سيطرتها النارية. هكذا، تكون العملية البرية النوعية التي نفذتها قوات الجيش واللجان، بمشاركة عدد من القيادات العسكرية العليا، قد بدأت، وفق مصدر عسكري لـ«الأخبار»، بالردّ على الهجوم الكبير بهجوم مضادّ حاول الضغط على الجبهات وتشتيت خطوط الدفاع كافة، لتنتهي بهجوم كبير اتّسع نطاقه ليتجاوز جبهة نهم إلى جبهات مأرب والجوف.
مديرية الخلق في الجوف سلّمتها القبائل بلا قتال لقوات صنعاء


المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، العميد يحيى سريع، وبعدما استدعت مستجدّات عسكرية على الأرض لمصلحة قوات الجيش واللجان تأجيل بيانه العسكري الذي كان من المتوقع إعلانه الأحد الماضي، أعلن أمس البيان حول عملية «البنيان المرصوص». وأكد أن العملية جاءت كردّ على تخطيط عدائي كان يستهدف العاصمة صنعاء، شارك فيه 17 لواءً عسكرياً و20 كتيبة تابعة للعدوان والقوات الموالية لهادي وميليشيات «الإصلاح»، بإسناد جوي من قِبَل طيران «التحالف». وأشار سريع إلى أن قوات الجيش واللجان شنّت على إثر الهجوم هجوماً معاكساً أدى إلى تحرير مناطق نهم كافة، «وكبّدت قوات العدو خسائر فادحة في العتاد والأرواح، واستمرّت في تقدّمها وصولاً إلى غرب مدينة مأرب، إضافة إلى تحرير عدد من مُديريات مُحافظتَي مأرب والجوف، بمساحة إجمالية تقدّر بأكثر من 2500 كلم مربع طولاً وعرضاً». ووفقاً للعميد سريع، فقد أدت العملية إلى «وقوعِ الآلاف من قوات العدوّ ما بين قتيل ومصاب وأسير، ودحر قوات العدو المتمركزة في نهم، والمكونة من 17 لواءً عسكرياً وعشرين كتيبة واغتنام عتادها بالكامل، وكذلك دحر لواءينِ مما يُسمى بالمنطقة العسكرية الثالثة المتمركزة في مديرية صرواح بمأرب، وثلاثة ألوية مما يسمى بالمنطقة العسكرية السادسة المتمركزة في الجوف». ولفت إلى أنه سمح للمئات بالفرار «تنفيذاً لتوجيهات القيادة». وكشف عن قيام صنعاء بالردّ على التصعيد الجوي للتحالف السعودي الذي شارك طيرانه بقصف نهم وجبهات مأرب والجوف مخترقاً التهدئة، عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت شركة «أرامكو» في جيزان ومطارات أبها وجيزان وقاعدة خميس مشيط وأهداف حساسة في العمق السعودي.
المتحدث باسم حركة «أنصار الله» ورئيس وفد صنعاء التفاوضي، محمد عبد السلام، أكد أن عملية «البنيان المرصوص» جاءت رداً على «استمرار العدوان والحصار على اليمن، وخاصة بعدما قام أذناب الاحتلال في جبهة نهم بشنّ هجوم واسع، والسيطرة على عدد من المواقع، ما اضطر الجيش واللجان إلى الردّ بعملية كاسحة». كما أكد أن «وقف العدوان وفك الحصار ثم الذهاب إلى الحل السياسي الشامل والعادل هو مطلب كل العقلاء والمنصفين، وهو الخيار العادل والصحيح»، وإلا في المقابل ستكون المواجهة.
ميدانياً، لم تتوقف المواجهات في عدد من جبهات محافظتَي الجوف ومأرب، حيث لا تزال قوات صنعاء تحرز مكاسب على الأرض، عسكرياً أو بالتسويات المحلية، كما حدث في مديرية الخلق في الجوف التي سلّمتها القبائل بلا قتال لقوات صنعاء. وتفيد المصادر بأن المواجهات لا تزال مستمرة بشكل محدود في منطقة العقبة، وأيضاً في عدد من مناطق صرواح في مأرب.