قبل أيام، أكملت إيلا طنوس عامها الخامس. أطفأت الصغيرة خمس شمعات، أربع منها رافقت قضيتها المفتوحة تحت قوس المحكمة. الطفلة التي تعيش وجعاً أبدياً بسبب خطأ طبي تسبّب ببتر أطرافها الأربعة شهدت، أمس، آخر جلسات المرافعة التي تسبق صدور الحكم النهائي الذي حدّده القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، باسم تقي الدين، في 29 تشرين الأول المقبل. وهو حكم لا يحتمل أكثر من خاتمتين: إما أن ينصف إيلا أو لا.

الصغيرة التي تعيش بقدمين اصطناعيتين وبلا كفّين تواجه اليوم 3 مستشفيات و3 أطباء كانوا سبباً في وصولها إلى هنا. في جلسة المرافعة الأخيرة، قدّمت الجهتان، المدعية والمدعى عليهم، سرداً مفصلاً للقضية، كل من وجهة نظره. محاميا الدفاع عن مستشفيي الجامعة الأميركية في بيروت وأوتيل ديو دو فرانس اكتفيا بتقديم مراجعة خطية للقاضي، فيما استرسل محامي مستشفى المعونات والطبيب ع. م. صخر الهاشم في إعادة سرد القضية بما يعفي موكليه من المسؤولية «التي حُمّلوا إياها». وهو استند إلى تقارير طبية تنفي العلاقة السببية بين «الفعل المنسوب» إلى الطبيب ع. م وبين النتيجة التي أدّت إلى بتر أطراف الطفلة. واستعرض جملة نقاط أساسية، منها ما يتعلّق بجرثومة قاتلة استقرت في دمها، وأدت إلى إصابتها بصدمة إنتان (septic)، وهي صدمة تفتك بجسم الإنسان إن لم تكن لديه مناعة كافية، مستعيناً بحالة الطفل مارفن حبيقة الذي عانى من الحالة نفسها وتوفي بعد 24 ساعة. شدّد الهاشم على أن ما حدث للطفلة ليس نتيجة تأخر في إعطائها العلاج اللازم، والطبيب لم يرتكب أي خطأ طبي، على الأقل «في الأيام الأربعة الأولى. إذ أن المشاكل بدأت تظهر في اليوم الخامس (…) وبطبيعة الحال اتبع الطبيب بروتوكولاً عالمياً لمتابعة العلاج». في السرد، تطرق الهاشم إلى الشق «الإنساني» و«رسالة» الطبيب اللذين دفعاه إلى «الإتصال 11 مرة بالمستشفى في يوم عطلته لمتابعة حالة الطفلة». واستعرض الهاشم، في 58 صفحة وفي نصف ساعة من المراجعة العلنية، ما فعله موكله خلال رحلة علاج الطفلة التي بدأت في مستشفى المعونات، قبل أن تنتقل إلى مستشفى أوتيل ديو ومنها إلى الجامعة الأميركية.
مرافعة محامي الجهة المدعية، نادر الشافعي، استندت إلى ملف طبي أرشفه والد الطفلة حسان طنوس لحظة بلحظة. عرض الشافعي رحلة إيلا التي بدأت في المعونات، حيث مكثت 7 أيامٍ خرجت بعدها إلى أوتيل ديو حاملة معها صدمة الإنتان الشديدة التي تؤدي في حال التأخر في علاجها إلى الوفاة «إذ أن كل ساعة تأخير عن تقديم العلاج تؤدي إلى زيادة احتمالات حدوث الوفاة بنسبة 7,6%». وبحسب التقارير الطبية، فقد تأخر الطبيب ع. م ومستشفى المعونات، بسبب تأخر التشخيص، في تقديم «الجرعة الأولى من المضادات الحيوية المطلوبة 12 ساعة (…) وهو السبب الرئيسي الذي أدى الى تطور الحالة إلى انتان جرثومي شديد وصدمة شديدة واضطراب التخثر المنتشر داخل الأوعية»، وفق تقرير الطبيب أمين القزي، المكلف بإعداد تقرير عن حالة الطفلة.
من المعونات إلى أوتيل ديو حيث مكثت إيلا ما لا يقل عن نصف ساعة لعدم وجود أسرةّ. هناك، لم يقم طبيب الأطفال ك. أ بفحص الطفلة، بحسب ما تنص عليه الواجبات الطبية، «لمعرفة ما اذا كان وضعها يسمح بنقلها إلى مكانٍ آخر»، بحسب تقرير نفيب الأطباء، في حينه، شرف أبو شرف، وهو طبيب أطفال أيضاُ. من أوتيل ديو إلى الجامعة الأميركية، انتهت معركة إيلا ببتر أطرافها الأربعة، بسبب استخدام الطبيبة ر. ش المفرط للعلاج ما أدى إلى «سد شرايين الأطراف». أضف إلى ذلك، «تأخر المستشفى في تشخيص حالة الطفلة سبعة أيام بسبب إرسال فحص نوع الإلتهابات في الدم إلى الخارج بدلاً من إجرائه في مستشفى آخر هنا. وهو ما أدى إلى الخطأ في العلاج». الشافعي طالب القاضي تقي الدين بأن يكون «منصفاً» تجاه طفلة تعيش مبتورة بسبب أخطاء «أطباء مجرمين». وطلب تشديد العقوبة وإعادة النظر بالمادة 565 من قانون العقوبات التي أدين بها المدعى عليهم في القرار الظني، والتي تنص على العقوبة بالحبس لمدة سنة!