قبل ربع قرن، قرأت «لن» ولم أحبه. شغلتني المقدمة عن النص. وقبل عشر سنوات، اكتشفت موقعاً إلكترونياً لقصائده وكتاباته النثرية، فقررت أن أقرأه كاملاً. وفي أول زيارة لبيروت، عدت بأعماله الكاملة. زرت جريدة «النهار» ومررت إلى جوار مكتبه وخفت أن التقي به، فيعتدي اللقاء على جمال الصورة.


حين انتقل إلى «الأخبار»، وقفت أمام صورته كمراهق والتقطت صورة تجمعنا بكاميرا الخلوي لا أعرف أين ذهبت الآن. لكني كنت أريد هذه اللحظة لأعوض لحظة فقدتها إلى الأبد، لأن عمري لم يمكنني من التقاط صورة مع صلاح عبد الصبور الذي مات محتفظاً بلقبه كشاعر حزين. ما أعرفه أنّ أنسي قرر بعدها أن يكون ملازماً لي. كانت نصوصه «قراءة طالع». أقرأه فجر السبت كمن يبحث عن مصير، من يريد أن يغطي ألمه ويطمئن له. لا أعرف إلى الآن لماذا كان شريكاً في منعطفات السنوات الأخيرة ؟
ربما احتجت إلى نبرة الإنشاد التي تصون شعره من التكرار، احتجت إلى هذا الإيمان القلق الذي يجعل من الحب وقوفاً في «المطهر» أو أرض الأعراف. لم يكتب أنسي عن الحب إلا بوصفه «ألفة» أو «حوار»، ضبطاً لإيقاع اللحظة الغامضة التي تقتحم حياتنا وتغير قوانينها بعذوبة محاطة دائماً بالألم. لغته الأليفة المتاحة، القريبة البعيدة، الأنيقة كملابس سهرة. أرادها هكذا مغايرة للغة التي كان يكتب بها من بدأوا معه وفارقهم إلى حديقة تخصه. لغة زاهية تصلح للمناجاة، قوامها الحياة اليومية التي يعجنها بحسّ صوفي ألق يجعلها وسيلة كشف، وأداة لمواجهة الذات بالندوب.
قبل سنوات، كنت في قطار قادماً من الإسكندرية وإلى جواري امرأة جميلة أخرجت من حقيبتها كتاباً، وظلت تقرأه طوال الطريق. وحين طلبت شاياً وأسندت الكتاب إلى حجرها، نظرت بتطفل فوجدت «الرسولة بشعرها الطويل كالينابيع». لكن حين استقرت في مكانها من جديد، قررت أن أسألها من أين اشترت الكتاب، فروت لي تجربتها معه. تألقت عيناها كأنها تصف غراماً لم يكتمل، تضع يدها على جرح لا تريد لأحد أن يراه. لذلك صمتت فجأة وظلت تخفي وجهها بالكتاب. وحين وصلنا، عرضت أن تهديني نسختها، فأخرجت لها الكتاب ذاته من حقيبتي.
كان معي يذكرني بلحظة لم تغادرني قطّ عشتها مع امرأة أخرى. استمعت إلى قصيدته بصوتي ثم طلبت مني أن أتوقف، ظننت وقتها أن أخطائي في القراءة أفسدت الطقس، لكنها أجابت بالدموع. قالت: «لا يمكن أن أتحمل هذا» ثم غادرت المكان بارتباك. وفي المساء، لم تعتذر وقالت: «أنسي يصلح طبيباً نفسياً، ونصه مصحة للعلاج». هذه المرأة تشبه «الوديعة» أغازلها بما كتبه واهتف: «ساعدني/ ليكن فيّ جميع الشعراء/ لأن الوديعة أكبر من يديّ». سأخبرها بمرض أنسي لتصلي له. وحدها تعرف أنه كان دليلاً إلى تجربة في الكشف والمواجهة، حفرت في ذواتنا بعمق حيث لم يعد للدموع مساحة في أرواحنا؛ لأنّ قراءته كانت درساً في الاغتسال وطقساً للتطهر يمكن بعده التصالح مع كل الذنوب.