في كتابه «رسالة إلى الأختين» («النهار»، ٢٠٠٤)، يتناول الشاعر اللبناني عيسى مخلوف على طريقته أنسي الحاج.

نعيد نشر المقطعين بإذن من الشاعر (العنوان من التحرير)




عيسى مخلوف
تسألينني عن الشاعر الذي جاء ومضى، وهو في ما يكتب يسعى إلى أن يكون خارج التسميات التي ما عادت تعني شيئاً. خارج الشعر الذي تغيّر معناه. حتى الكتابة ذاتها، هل نعرف ماذا تعني؟
من طفولتي جاء ومن دهشتي الأولى بالكلمات والأشياء. الليلة خلته مراهقاً يستظل النمش المنثور تحت نظرك. نظرك المشرف على الجمع، متدفقاً وحاراً. يستمد نوره من زيته الخاص، ومن انتباه يطوّقه ويحتفي به.

أخبرني في مسائه الباريسي الأخير، وكنا نجتاز المدينة من أولها إلى آخرها، أنه كتب قصيدة يتحدث فيها عن طفل يلتهم ثدي أمّه. أو أنه يلتهم أمّه بأكملها. لستُ أدري. حين سمعتُ هذه الكلمات القليلة، بات الصوت مبعثراً، مشوّشاً وغامضاً. لم ألتفت إليه لأتأكد مما جاء على لسانه. لم أجرؤ على الالتفات. كنتُ أفكر في ما يمكن أن يقوله رجل مثله فقدَ والدته وهو لا يزال طفلاً. وكنتُ أتساءل في نفسي: هل تلفّظ هو فعلاً بتلك الكلمات؟ ما الذي قاله بالتحديد؟ أيّ كلام لفرط وضوحه يعصى على الإدراك؟
تابعنا طريقنا. عبَرنا الجسر إلى الضفة الأخرى. عبَرنا الكلام الذي يُشعل حرائق. كأنني لم أسمع شيئاً. أو كأنني، بلا وعي مني، لا أريد أن أكون شاهداً على مجاعته إلى أمّ. إلى الأمومة. إلى أن يكون هو الأم والابن معاً. الثدي الذي يُرضِع والرضيع في آن واحد.
إنها الحاجة إلى الافتراس، سواء أكانت المرأة أماً أم لم تكن. وهل تنفصل الرغبة في المرأة عن جسدها؟ تلك الرغبة التي "قد لا تكون سوى نزوع مقنَّع إلى اللحم البشري"، بحسب نوفاليس، أو كما كتب بودلير تحت رسم امرأة:
Quaerens quem devoret
هكذا يمسي الحب، لعبته، لعبةً على حافة العدم، أو شكلاً من أشكال الاندماج فيه والاتحاد به.
من هنا أراها طالعة غيومه. كلماته.
كيف يمكن كلمة أن تحمل هذا الذي يحمّلها إياه ولا تنوء؟ هكذا يأتي، من وراء الكلمات، عارماً، بدائياً ومتوحشاً. مكلّلاً بالأسرار لأنه يعرف سر الألم. ألم الرضيع الذي لم يرضَع. وإذا هو لم يفِ بوعده، فمن أين للحب أن يفي بوعده؟ ليس المقصود بالحب هنا ذلك المطوَّق ببداياته ونهاياته، وإنما الكنز الضائع في أعماقنا منذ بداية التكوين.
باقترابه من المرأة، يقترب من المقدّس. كالهنود الحمر، أبناء الحضارات البائدة. أولئك الذين يعرفون المقدّس ولا يعرفون الدين. عن المقدّس يتحدثون وكلمة دين غير موجودة في لغاتهم.
إلتهام الآخر، أتعرفينه؟ افتراس الآخر وأكله! كان أفراد بعض القبائل الإفريقية إذا ما فقدوا أحداً منهم أثناء رحلة طويلة، يضعون رماده في حساء ويشربونه، ثم يتابعون المسير، وهو في داخل كل منهم. شيء أشبه بالقربان، أليس كذلك؟
--