شوقي ابي شقرا *

إنه الرحيل، إنها الساعة، إنّه أنسي الحاج ولَّى. ويحدث الانشقاق بين الشاعر وجسده، بين البركان والحمم، بين الشاعر ونفسه التواقة، بينه وبين الغد، بينه وبين الوصول إلى الترياق، إلى الأمس الذي هو ربما اكليل من الغوى، من الأزهار التي تذبل أو يغمرها الشحوب. ويغمرها الشاعر فيكون الرجوع إلى العافية، إلى الآتي من الأيام، وإلى تلك المغامرات التي كانت له، والتي كانت لنا. ونحسب الحساب، فإذا هي ملعب طويل العشب تنط عليه الكرة، وتنط الأمنيات.
ويكون الرجوع إلى النضارة، وإلى الأدق الأدق من الكلام، من الرضى وتربية الذوق، وترويض العقل الفاعل على أن يحمل الزاد، أن يحمل الأفكار وأن يتأبط القافية أو قامة الحرية. ونركض نحن على البساط الأحمر ومعنا الربابة ومعنا البيانو ومعنا الآلة التي تعزف للوطن، للشاعر الذي كالموج يروح ويجيء ولا يتعب ولا تديره الظنون. ولا غفلة عن الحقيقة عنده، بل هي الحقيقة ما ينبغي أن يكون وأن يتربع على الكرسي الكبيرة، وحيث الصولجان وحيث التاج وحيث السلطان هو يقرر. وهو يدعو إلى الاحتفال وإلى أن يرقص الراقصون وينزل المهرج إلى الساحة. وتكون الضحكة ويكون الحزن ويكون من ثم ذلك الانشقاق بين البارحة والشاردة.

بين الصحو الملهم والمطر الذي يفرقع ولا يمحو ولا يطفئ بل يزيد النار حين يحدث الشاعر عليها وحين يرمي لقمة الحطب على لونها الغامق، على الرماد الأصيل وعلى قدرة الالتهام بحيث ينتفض الطائر وجناحاه وينهض من العدم، ومن أي حثالة أو أي ثمالة. وهو سكران وعدواه تمس الآخرين وتصيب القراء طراً ولا ينزحون ولا يغضبون. 
ولا انشقاق معه، ولا هو ولا أنا كنا تلك الحالة، تلك الأزمة بل تلك النزهة نحن منذ الخمسينات إلى الردح والبرهة والسنوات التابعة، إلى الحقبة الخصبة منذ حلقة الثريا إلى مجلة «شعر». ومنذ كنا هو في «النهار» وأنا الصياد أصطاد اللحظة العابرة والهنيهات والساعات الرخية، وكانت العذوبة والصداقة هما عصاي، وكنت أطرق الباب، باب الرفقة والشعر وهو ولي التوفيق. ونحن تلك القصيدة التي تهمي، وتلك الكلمة التي تمر ونكتب اسمها وهيكلها على بحبوحة الورقة وكنا نتداول الجيد والمرهف وما يندر وما لا يزول هباءً وضياعاً في خندق الرداءة، خندق المعتاد ولا تجدي الطبابة. 
ومع الشاعر والشعر تلك هي الخطة والمنهاج والبرنامج. ولا نترك العروس أي الكلمة وحدها، بل نعمد إلى إخراجها من العش حيث هي دافئة، ومن الخدر حيث هي في الناعوسة ووراء الناموسية لئلا يتاح للبرغشة أن تؤذي الوجه أو ذلك البض، ذلك العري الهائم في مداره، في أحلامه. ولا ندع الجمال إلا نأخذه كأنه الغزال، وعلينا أن نحط عليه وأن نتلوث كما الفراشة من الزهرة، وكما لها فنها في التحليق وفي أن تعمل أعمال الفراسة وأن تنقل الرسالة إلى ما حولها، وأن تبث مهنتها للطبيعة طراً وللناس طراً حتى الفناء في مناخ الزوال في الاتحاد ثانية وكل مرة بالفضاء. وإنما هلاكها هو العلامة على الوجود والإياب إلى الأخضر إلى الأبهى إلى نعمة الظفر بالبقاء بالذوبان في ما يقوم على التجدد والصعود إلى حيث المملكة مملكة اللامرئي والصعب أن لا يدوم ولو في أحلك الأزمنة.  نائية وقريبة هي الطريق إليه، إلى من نطل عليه، حتى يرانا إلى أنسي الحاج، وكنت أنا منذ مطلع الشمس ذياك القادم إلى منظره، إلى فتون إطاره باكراً، إلى سر اللقاء إلى عهد يتقادم ويطول. وكنت في خطواتي مسرعاً وبطيئاً ورويداً تلي رويداً. إلى أن أثمرت الزهرة في الأرض زهرة الصداقة وصعدت من التراب والإناء إلى السقف، إلى الفضاء الذهبي الذي يملك الرحابة ويملك القوة على ذلك، ويملك العاطفة التي تعبر أي سقف وتجتاح أي عائق وتقلب الخشبة من فسحة إلى فسحة ومن ضحكة إلى ضحكة ومن آخ إلى آخ ومن شاعر إلى شاعر. وما كنت سوى العفوي سوى المتطلع إلى الجدة المشتعلة.
والحق هنا أننا كنا في ما مضى، في بحر الخمسينات نرحل إلى الأوسع وإلى ما يؤلف السعة وما يجعل الكلمة طائراً صعباً لكنه يأوي إلى الدفء. كنا نهجم ونهاجم ونصطلي على الأصول على التراث على الوجود ونكتب الورقة وعلى الورقة وعلى حائط الوقت أحلى الصور وأحلى العبارات وأحلى القصائد، منذ تلك الأيام الغابرة ونحن في الشروق ولسنا في الغروب. وطالما حلمنا وسرنا وروينا وكان القلم في نضارته سيداً على المكان وكان في معظم أحواله منذ الحقبة الاولى، يفوح ويصل عطره إلى ما بعد الشميم الداني. إلى ما ينتظرنا إلى القارئ الذي يجلس في هدوء الحياة، وحوالى بركة الماء، وحوالى النافورة، لكننا نثور وهكذا كنا نضع النقد على الغلطة وعلى الأمر وعلى المرارة وعلى الجرح ونضع النقطة على القد المنتصب، حيث نحن نبصر أين هي وأين الصواب وأين هي الشبكة لتدخل الكرة أو لتدخل هي الكلمة المصطفاة والتي كانت كأنها الطفلة تركض إلينا ونحن لها نشرع الذراعين، نشرع ذواتنا لتهبط على مهل وبكل أناة وكل انبهار ودهشة. ونحن حينئذ نأخذ ونأخذ، والنحلة إنما هي كذلك ونحن كنا ذلك الراوي وذلك الشاب المتقدم إلى النيران، وذلك الفتى الذي من نبتة إلى نبتة يفعل ما تفعله النحلة الطروب وتلك العادة لديها، عادة أن تتغاوى وأن تكون غنية كل الغنى، اذ في فمها لا ماء بل عسل يشفي ويسقي. ورحنا ملياً في المشوار وفي الانتقال من الانغلاق إلى الانفتاح إلى الخصيب من الأيام من العطاء الأدبي. وأنا في حلقة الثريا، وفي «جريدة الزمان»، ثم انصرفت إلى مجلة «شعر»، وأنسي يحضر ويقول النص الذي يفور طويلاً ويهوى أن يكون الإلحاح إياه، وأن يكون الشك وعدم اليقين، وأن يكون الشاعر وقصيدة النثر التي تخرج من العلبة، من العتمة إلى المصباح إلى وهج الغد ومن القماشة الضعيفة إلى طرحة العروس وكثافة الفرح والحزن على السواء.
وإذ يبدو أنسي الحاج وإذ يصرخ أمام الجميع، أمام الرسولة وأمام نفسه، إنما يكبر دوره ويكبر الزاد الذي صنعه لطبقة القراء، لأي طبقة لأي فئة لأي مرحلة في مسار الشعر اللبناني ومن ثم العربي والآخر الشفاف ويلتفت دائماً إلى كل جهة من حيث الغناء ومن حيث الصدى الذي يتوزع ليكون الأرغفة في الرخاء والأحوال المتصادمة إلى وادي القوم المتحرك هنا وهناك.
وكنا معاً في البأساء وفي الرضى. وكنا، والحرب قائمة لا ننسى الأصالة، أصالة الجهد الذي صرفناه ولم نقامر به، والذي تعاظم إلى حدود الإبداع وداخل الإبداع وداخل الزمن الذي ما فتئ يداعبها لنتكلم في شباكه كالسمكة ولا نفنى، ونحن نداعبه ولا نرعوي. وأنسي أيضاً بهذه الصفة وجد الضالة، وجد الفعل وجد الجاذبية والمتعة في ما كتب واندفع به مجالاً تلو مجال، ليكون حرياً بأنه من شعراء لبنان في الطليعة وأنه، في ما يترك من أعمال، وما يزاوله من أفكار وآراء وأصوات، ذلك الهوس الفني، ذلك المتربص الشجاع وذلك الساهر ومعه سيفه والقلم. ومعه النخوة التي تمتشق العافية في القد المنسرح واللين الحركة ومعه دوام القنديل. ومعه نحن الذين نحبه، ونتمنى له أن يطرب دائماً وأن يغني لنا كأنه عصفور نزل من ضواحي الجنة، ونحن في الإصغاء، وفي صدد الاعتراف بأنه الوجد كاملاً كنجمة الصبح في ديارنا حتى الثمالة. وانه كلما انقلبت الأوراق من حقبة إلى أخرى، له العذوبة في الصراخ وله المنطق المزدهر يصيب به الغاية إلى عمق الدجى وعمق الهوى. ويصعب على شهرزاد والحقيقة والليالي المزدحمة بنا والمغامرة الناجحة أن لا نصف «النهار» بأنها كانت الميدان والمعاني المثلى والرسالة الدسمة عبر كلينا وعبر بعض الآخرين من الرعيل المقدام وحيث بضعة فرسان وحيث بضعة نبلاء. وفي الجريدة تراكمت معنا ومع أولئك حرية الكلام وحرية الأدب والغوص على الطريف والتالد. وحيث استقبلنا الأسراب الملهمة وشتى الفصول وكنا غالباً نحلق ويحلقون وننال لذة الارتفاع ونشوة البلاغ. وننال أقصى ما نريد وأسمى ما نريد. وأنسي الحاج عبر أبيه لويس وعبر غسان تويني وعبر فرنسوا عقل على الأخص وعبر اللغة وكونها المتمردة، كان يخلق أسلوباً في الصحافة وفي مطهر الأشغال ورمي السهام حتى مداها الثمين، كما هو الحب والاندفاع وجلبة الربيع ويقظة النيام من النوم.
* شاعر لبناني