■ سأبدأ حديثي عن زمن الطفولة. أخبرني عن أهلك والمكان الذي سكنت وتربيت فيه؟

أنا من بلدة قيتولي في قضاء جزين (جنوب لبنان). لكنني ولدت في بيروت في «مستشفى الدكتور جورج حنّا»، وسكنت مع أهلي في حيّ خندق الغميق. كان الحيّ مزيجاً من كل الطوائف، من الأرمن، الأكراد، السريان، المسلمين شيعة وسنة، ومن المسيحيين. وكان فيه كنائس وأديرة، وما زالت كنيسة السريان قائمة إلى اليوم، وأيضاً «مدرسة الفرنسيسكان للراهبات». أذكر دكاكين باعة الخضار، وعلى بعد أمتار منها الـ«غران تياتر» (المسرح الكبير) الذي يمثل تاريخاً مهماً، وفي مقابله «دار المكشوف»، التي نشرت الكثير من الكتب اللبنانية المهمة. كانت بيروت حينها «ملمومة» على بعضها بعضاً، وكان شارع واحد يضم كل الناس. أمي توفيت عندما كنت في السادسة، وكانت قد أنجبت أربعة أولاد؛ صبيّان وبنتان. ثم تزوّج والدي وأنجب ستة أولاد، فأصبحنا عشرة. أبي كان من الآباء الكادحين، وعمل في أماكن عدة ليؤمّن تكاليف تعليمنا في مدارس راقية. لم أره يوماً بلا عمل، فحتى في البيت كان يعمل. كان يكتب، ويترجم، ويمارس الصحافة بين جريدتي «النهار» و«المكشوف». لا أدري إن كانت طفولتي سعيدة أم حزينة، لكنّها كانت مخطوفة. لم أكن أملك الوعي الكافي لأضع «اتيكيت» تقول ما إذا كنت فرحاً أو حزيناً، لكن حين توفيت أمي، قرّرت ألا آخذ علماً بوفاتها، وقرّرت عبر نوع من النسيان اللاإرادي أنّها لم تمت.

■ قلت لي إنّه تزوّج بعد وفاة أمك، متى تزوّج؟
لم ينتظر طويلاً نظراً لوجود أربعة أولاد صغار لا يستطيع الاهتمام بهم في الوقت الذي هو ملزم بالذهاب إلى العمل. لذا تزوّج بعد فترة قصيرة.

■ كيف كانت علاقتك بزوجة أبيك؟
كانت علاقة جيدة جداً. خالتي «أليس» امرأة تمثل مزيجاً من الطيبة والإرادة. والإرادة كانت ضرورية في تلك الحال. كانت تكبر أخي الكبير بسنوات قليلة وكانت جميلة أيضاً. وامتلاكها لهذه الصفات مجتمعة مكّنها من القيام بأعباء العائلة مع الأطفال الستة الذين أنجبتهم. كانت طيبة ابنة القرية بإرادة فولاذية للقيام بالأعباء على نحو صاف.

■ هل أثّر الفقر على شخصيتك؟
أجل، لكن ليس على نحو مأساوي. فأنا لا أدلّل على أنّنا فقراء، وهذا شأن شخصي وليس موضوعاً للكتابة.

العلاقة مع الله

■ كيف تفهم الله؟ وهل تمارس طقوس دينية؟
علاقتي بالله جدلية. أحياناً تخفّ وأحياناً تشتّد. لا أعلم إن كنت مؤمناً أم لا. مع انني أفضّل أن أكون مؤمناً.

■ لماذا تفضّل الإيمان؟
الإيمان منظّم للوجود والكون، هو في الحقيقة إيمان بالنفس، بمعنى أنّه يمنحني الشعور بأنني الإله، وبالتالي فإن الموت لن يقوى عليّ بالمعنى الوجودي للكلمة لا الجسدي.

■ نجد عادةً أنّ مَن يتجه نحو الدين، يتعصب في ممارسة طقوسه الدينية، وإذا نظرت الى حياته، لا تجد الأمان فيها، ما رأيك؟
التعصب الديني أمر سخيف جداً وأبشع ما في الانسان. هناك تعصب جميل كتعصب الحب وتعصب العشق وتعصب الفن والتعصب للحقيقة. لكن أبشع انواع التعصب هو التعصب الديني، لأنه ولّد مجازر بشرية ولا يزال الى الآن. عندما أدركت كم تتشابه الاديان في جوهرها، الاسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والكونفوشوسية والعقلانية، تساءلت عن أهداف هذه الاديان وعن كل هذه الاحزاب، ولماذا لا نأخذ الفكرة التي هي نفسها لدى الجميع؟ أنا اخذت الفكرة لكنني مررت ببعض الطقوس. أنا أؤمن ببعض القديسين لأنهم وسطاء. أنا أؤمن بوجود انسان وسيط بيننا وبين العالم الغائب.

■ هل تؤمن بالحياة بعد الموت؟
لا ادري.

■ هل صليت ذات مرة؟
كثيراً ما أصلي. عندي صلواتي. ومع ذلك، فأنا أحب الصلوات التقليدية. فبمجرد أن يقول الانسان: أبانا الذي في السماوات، أو بسم الله الرحمن الرحيم، ينفتح قلبه. نلاحظ دائماً في الرسم أنّ الراكع عليه شعاع من نور، وهذا ليس صدفة لأنه يعبّر عن البصيرة والحب واشتماله بمن يرعاه.

■ هل تستعمل عبارة «الله يخليهم»؟
اجل أنا أدعو، وعندي ايمان كامل بقديسة تدعى سانت ريتا وكتابها لا يفارق جيبي. هي احدثت لي معجزات وحققت لي طلبات مستحيلة وهي تدعى شفيعة القضايا اليائسة.

■ هل أنت انسان حرّ؟ حتى من نفسك ؟
لا. الحرية موضوع طويل. لقد بدأت كتاب «لن» بكلمة «أخاف» وأنهيت آخر قصيدة بكلمة «حرية»، أي إنّني لا أريد غيرها لأنه لا يوجد غيرها. وفي إحدى قصائدي، أقول إنّ الحرية اجمل من الحب، وبمعنى من المعاني هذا صحيح. الحرية أكثر راحة من الحب، فلا غيرة ولا ما يشبهها.

الحرب الأهلية

■ خلال الحرب الأهلية اللبنانية، كنت تكتب في جريدة «النهار»، أي قضية تبنيت وقتها؟ أخبرنا عن تجربتك في الحرب.
أنا من اوائل الذين كتبوا متغنين ومادحين للمقاومة الفلسطينة، حتى قبل ظهور ياسر عرفات علناً. وأول عملية مقاومة حدثت كتبت عنها في مجلة «كلمات»، واستمررت في مدح المقاومة الفلسطينية الى حد أنني اعتبرتها الحلّ لكل الأنظمة العربية المهترئة التي يجب عليها التعلّم من هذه المقاومة حتى تصبح شبيهة لها. ليس فقط من حيث السلاح إنما أيضاً من حيث الثورة والشباب الطاهر. ولم تكن هذه نظرتي وحدي، فقد كونت لها شعبية هائلة في الوطن العربي. لكن حين حدثت ما سميت حينها «التجاوزات الفلسطينية» أحسست بالخوف. كان خوفاً على الفلسطينيين من قيام مؤامرة لبنانية ضدهم، وبالتحديد مؤامرة لبنانية مسيحية. وخوفاً من أن يصبح رد الفعل فعلاً في اماكن معينة كالدفاع الذي يصبح هجوماً، بعد الحواجز التي أقامها الفلسطينيون في تل الزعتر والنبعة، والذبح على الهوية، علماً أنّ الفلسطينيين هم الضحايا فكيف أصبحوا جلّادين؟! حينها احسست أني انقسمت شقفتين. ولم أعد اعلم أين أنا. كتبت حينها افتتاحية في جريدة «النهار» بعنوان: «كلنا ضحايا». أنا مع الضحية اينما كانت. مع الضحية اليوم في سوريا. والمصادفة في لبنان أنّ كلهم ضحايا، وعيب عليهم أن يتقاتلوا وقد وقعوا معاً في الفخ بمنتهى السذاجة والجهل.

■ ما هو سبب الحرب الأهلية اللبنانية برأيك؟ هل هو مؤامرة خارجية أم حتمية داخلية؟
أكيد مؤامرة خارجية. عن أي حتمية يتحدثون؟ لقد ثبت مع الزمن أنّه عندما كفّ المسيحيون عن الوقوف ضد مواجهة الفلسطينيين، وفهم الفلسطينيون أنّ المسيحيين ليسوا ضالعين في مؤامرة لالغائهم، انحسرت القضية بين المسيحيين والفلسطينيين، ووكلت بالتنكيل بالفلسطينيين اطراف مسلمون وعرب لا المسيحيون اللبنانيون. كان لبنان المستهدف دائماً، والفلسطينيون بالدرجة الاولى.

■ ماذا فعلت في الحرب؟
توقفت عن الكتابة والعمل عام 1976، رأيت أن الصحافة انتهت بمجرد دخول الجيش السوري الى لبنان. عندما دخل الجيش السوري الى لبنان وقام الرئيس اللبناني آنذاك سليمان فرنجية بالاعلان عن وثيقة دستورية مع نظيره السوري حافظ الاسد، رأيت حينها أنّنا انتهينا، ولم يعد هناك لبنان أو بالأحرى لم يعد لدينا صحافة. البلد عانى حينها أزمة مالية هائلة، وانخفضت كمية المبيعات في «النهار»، ولم يتمكنوا من الوصول الى المناطق لتوزيع الاعداد، فبقيت في بيروت. صرت اتقاضى حينها نصف معاش، ثم أصبح ربع معاش «ويكتر خيرهم» لأنهم ظلوا يدفعون لي.

الزعماء والطائفية

■ هل سبق أن صدّقت زعيماً ما، أو هل تصدق مسؤولاً سياسياً في أيامنا هذه؟
لا انتمي الى أي زعيم، فالزعامة عندي فقط للكتابة، ليس عندي زعماء اشخاص، بل زعماء شعراء كالمتنبي وبودلير وفيكتور هوغو وشكسبير. الزعماء عندنا لا يشعرون بما أشعر به تجاه الناس. هناك مئات الألوف من اللبنانيين ينامون بلا عشاء، فمن يحسّ بهم ومن يسأل عنهم من الزعماء؟

■ لا حل للطائفية الا بحل مشكلة الدولة؟
هذا اكيد. الطائفية ليست المشكلة. الطائفية السياسية هي نوع من الديمقراطية، فبدلاً من أن تتمثل الاطراف بأحزاب يسارية أو يمينية فهي تتمثل بالطوائف. لا مانع من ذلك شرط أن لا تصبح الطائفية على مستوى الشارع والتعصب الديني. هناك الكثير من البلدان موزعة طائفياً أو موزعة عرقياً. المشكلة تربية الشعب أولاً وتأهيله للديمقراطية وللعلمانية والغاء دوائر النفوس الدينية، فأنت مثلاً لست موجودة الا اذا كنت مسجلة عند الشيعة.

الجيل الجديد

■ جيلكم الذي عاش بيروت بعزها وعظمتها حين كانت «سويسرا الشرق» أعطاها لجيلنا مدمرة مغبرة، ولا تزال رائحة الجثث تفوح الى الآن، ماذا تقول لهذا الجيل؟
جيلكم حلو وأنا عندي أمل. أرى هذا الجيل متمدناً متعصرناً وحديثاً ولامعاً. ودائما نجد أنّ وراء كل جيل مآسي، ستقولين: إن وراءكم الحرب الاهلية، وسأقول وراءنا حوادث عام 1958 والحرب العالمية الثانية ووراء ابي الحرب العالمية الاولى. هذا قدرنا طالما نحن متخلفون سياسياً. أما اللبناني على الصعيد الفردي فهو ليس متخلفاً بل هو أغنى انسان في العالم، فأهم اطباء القلب وجراحته كانوا لبنانيين.

الصحافة

■ لنعد الى الصحافة. هل تذكر أول نص نشرته؟
أجل أذكر. أول نص نشرته كنت حينها في الصف الثالث المتوسط أي البريفه، وأرسلته الى مجلة شهيرة كان اسمها مجلة «الاحد»، وقد وضعت اسم ابي خلف اسمي كي أجعله جسراً، وحتى يقال هذا ابن لويس، فلنسايره اذن. هكذا بدأت كتاباتي وقد كان نفسي قصيراً ولم يكن المقال طويلاً متماسكاً، بل عبارات وجملا، اشياء مشابهة بدائية وطفولية. وقد نُشر في صفحتين.

■ هل دخلت الى عالم الصحافة من باب الوراثة؟
لا. أنا لم أفكر أبداً في الصحافة. عندما وصلت الى صف البكالوريا، فكر والدي في ارسالي الى «السوربون» لمتابعة الاختصاص الذي ارغب به. وقد اغرمت حينها الغرام الاول الذي لا يقاوم. ثم تطور الحب مع ليلى زوجتي بفعل الشهامة والمروءة والفروسية. وقد كانت رائعة الجمال ومدللة ووحيدة أهلها. تمت الخطبة وكنت لا أزال طالباً في عمر 18 عاماً. وعندما أصبحت في صف الفلسفة، تركت المدرسة، اذ لم يكن الغزالي ولا ابن رشد يستهويني. واتجهت نحو التعليم الخصوصي وكنت اتقاضى 30 ليرة شهرياً وكان مبلغا زهيداً. فطلبت من والدي أن يساعدني في الحصول على عمل افضل. عرض عليّ العمل في جريدة «النهار» فرفضت لأنه كان رئيس تحريرها. بدأت اتدرب عند كامل مروة في جريدة «الحياة»، التي كانت حينذاك من اكبر الجرائد اللبنانية والعربية، وكانت في المرتبة الثانية بعد «الاهرام». تعلمت الصحافة على يديه، ولما خطبت ليلى كان راتبي في «الحياة» مئتي ليرة. بعد ذلك استدعاني غسان تويني وسألني: «كم تتقاضى في الحياة؟ انا سأعطيك 300 ليرة على أن تتسلم القسم غير السياسي في «النهار». اهتم بالصفحات الادبية وكل ما لا يتعلق بالسياسة»
■ كم سنة عشت مع زوجتك؟
كل العمر. من عام 1957 حتى عام 2005 وكنا صغاراً عندما تزوجنا، لا نعرف شيئاً.
■ دائما نجد في الزواج «طلعات ونزلات»، أنسي الحاج الشاعر كيف كان زواجك، وهل خنت زوجتك يوما ما؟
الزوجة في البداية تكون العشيقة والمعشوقة. لكن الزواج مع الوقت يقتل الشغف. أفضل نهاية له أن تصبح الزوجة رفيقة وصديقة والا تحول الى عدو وأسوأ من عدو: كائن لا يبالي به.

خواتم

■ سنتحدث الآن عن «خواتم»، هل تناجي هذا الجيل؟
صدقيني أنّني عندما أكتب، لا أفكر لأي جيل اكتب. وقد فوجئت على نحو مفرح جداً بأنّ اكثرية القراء الذين يقرأونني في جريدة «الأخبار» هم من الشباب والصبايا، فوجئت أيضاً بردودهم عبر الانترنت وجدالهم حول المقال. جدل حر جداً من اقصى اليمين الى أقصى اليسار، ومن أقصى المحافظة الى اقصى التحرر.

■ هل يجد في ما تكتبه هموماً تمسه؟
هموم مشتركة. إذا طالعت مواقع الانترنت الخاصة بـ «الأخبار»، ستفاجَئين بعدد الصبايا وبالاختلاط الطائفي، وأنا سعيد جداً لأنّها المرة الاولى التي أختبر فيها هذا الامر. في الماضي، كانت تصلني الرسائل، اما الانترنت، فهو كالمرآة الصادقة لأنهم لا يكتبون للمجاملة والاصدقاء الذين اكتسبهم، اكتسبهم بعد الكتابة، لذا لا مشكلة عندي مع هذا الجيل، وانا شاكر جداً لهذا الشيء.

■ لاحظنا انه منذ بدء الثورات، وخصوصاً السورية، كتبت مرتين أو أكثر عن الموضوع في الوقت الذي يحتاج فيه الناس الى قراءة رأيك؟
أنا لست معلِّقاً، بل كاتب وجداني والوجدان يعبر عن نفسه مرة أو مرتين أو ثلاث مرات. ثم ماذا يفعل؟ هل يكرر النشرة ذاتها؟ أنا كتبت ما أردت قوله في مقال تحت عنوان «ما تستحقه سوريا». كان ذلك في بداية الثورة في شهرها الاول أو الثاني. وسبقه مقال آخر عبرت فيه عن ضياعي، إذ لم أكن أعلم ما هو الموقف الذي يجب تبنيه، لأنّ البداية كانت «مضيعة»، وكان الأمل معقوداً كلياً على أن بشار الاسد سينقلب على نظامه ويجدد الدولة السورية. وما كتبته في مقال «ما تستحقه سوريا» هو بمثابة دعوة لهذا الأمر. فماذا كان يريد الشعب السوري؟ في ذلك الوقت، لم يكن الشعب يطالب باسقاط النظام، بل بتغيير المحافظ في منطقة معينة واشياء مشابهة.

■ هو تحوَّل الى سلطة؟
تحول الى صراع على السلطة وهو إحدى ادواتها، فاذا تخلصنا من حزب «البعث» وأتينا بالحزب الشيوعي، فهل هذا يعني أنّ مشكلة سوريا قد حلّت في ظل الأنظمة الدكتاتورية؟ يجب أن تمنح الحرية لا مجال للبحث، وما بقي ليس سوى كذب ودوران حول الموضوع وخوف من تسمية الاشياء بأسمائها.

■ يعرف عنك أنّك لا تحب القصيدة العمودية؟
هناك فرق بين أنّني لا احب القصيدة العمودية وأنّني كنت اطالب بحيز شرعي لقصيدة النثر. لم أكن أريد لقصيدة النثر أن تلغي الشعرالموزون. وعندما وصلنا الى وقت تأزم فيه الوزن وانعدم، دعوت في حديث مع صديقي الشاعر والناقد والكاتب الكبير عباس بيضون لمجلة «الوطن العربي» التي كانت تصدر آنذاك في باريس، الى إعادة ضخ الحماسة في الوزن واعادة الكتابة بالوزن.

■ الا ترى أن القصيدة الكلاسيكية العمودية ليست حرّة، بمعنى أنها مسيجة بروية وصدر وعجز؟
هناك استسهال وأفكار خاطئة عن قصيدة النثر ولا نستطيع دائماً أن نذّكر بمبادئ قصيدة النثر، حتى وصلنا الى حد أنّ كل من يرغب في كتابة مذكراته يعدها قصيدة نثر، أو كل من يريد أن يرسل رسالة الى حبيبته يعدها قصيدة نثر. وكل من يريد أن يقول «نكتة» في مقهى على نحو «مرت ذبابة فوق رأسي وكانت خضراء لا سوداء» يعد ما يقوله مبرراً كافياً لوضعه في كتاب واعطائه عنواناً. الامر ليس كذلك، والكتابة ليست نهفة. الفن عدو النهفة وعدو النكتة. لا يمكن الاستناد الى نهفة لإنشاء قصيدة. القصيدة تحتوي على الطفولة وهناك فرق بين الطفولة والبراءة والسذاجة، التي هي رائعة في الكتابة والفن، وبين من يسعى إلى اضحاك مستمعيه.

النقد الأدبي

■ برأيك هل لدينا نقد صريح؟
لا يوجد. المشكلة تكمن في غياب النقد، لكنني لا أريد أن ابالغ، فهناك نقاد جديون وهم اساتذة جامعيون ممتازون، لكن للأسف فهم منهمكون بالتدريس والاشراف على اطروحات طلابهم وهم نادراً ما يكتبون.

■ من المعروف أنك ناقد اضافة الى كونك صحافياً وشاعراً.
لقد جنت عليّ مجلة «شعر»، حيث بدأت اكتب كناقد. أتذكر حين طلب مني يوسف الخال رحمه الله قبل صدور العدد الاول أن أكتب شعراً، فقلت له: لا أكتب شعراً. فضحك وقال: كيف هذا وبالامس قرأت لك قصيدة في مجلة «الاديب». وبالفعل، كان ألبير أديب رحمه الله قد نشر لي قصيدة.
كانت مجلة «شعر» مختصة بالشعر فقط، وكان يكتب فيها شعراء كبار كأدونيس ويوسف الخال وميشال طراد وجورج صيدح وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني. لذا كنت متهيباً منهم.
هل حدث ذات مرة أن « هزك» نص كتبه أحدهم؟
كثيراً ما يحدث هذا الأمر، عباس بيضون «يهزني» كثيراً، فهو يمتلك شجاعة لا أمتلكها وأحسده عليها، كما أنه يمتلك وعياً مفترساً وحقلاً يهتم به وأنا اعجز عن دخوله: الأدب الاجتماعي السياسي. واشعر بنقص يملأه شخص كعباس لأنه يجمع هذا الوعي الاجتماعي السياسي التاريخي الموضوعي، ويجمع احساس الشاعر ورؤياه. وهذا شيء عظيم جداً. وعبدو وازن أيضاً أحب كثيراً ما يكتبه وشوقي بزيع، أنا اعجب الى حد «الشهقة» بكتاباته الشعرية الموزونة والنثرية. فهو متمكن من لغته بحيث انه يتصيد العبارة ويصيب بذكاء مطلق وعنده احساس نقدي. فالشاعر عندما يكون ناقداً هو أهم ناقد، وشوقي لديه الميزتان: شاعر كبير وناقد عظيم.

جزء من حوار أجرته لوركا سبيتي مع الشاعر أنسي الحاج في برنامج «صوت الشعب»، عبر أثير إذاعة «صوت الشعب»، بتاريخ 24 آذار (مارس) عام 2012 (الحوار الكامل على موقعنا)