لا يهم هذا أحداً. ولكن إن كان للصعوبة معنى فهو الكتابة. أقوله مرتعباً من أن لا يكون مؤلماً بما يكفي، ولا يعكس حقيقة ملامح العالم بعد أُنسي. وأجزم بأنه ناقص أكثر بكثير مما يجب أن يكونه. كان يسمّيه فرح الزوال، برهافة ستبقى هكذا إلى الأبد بلا تفسير. أهرب دوماً، كان يقول، وكنّا نصدق بسببه أن الموت يمكن أن يكون أكثر جذلاً، فقط إذا كتبه أُنسي.


أكتشف الآن معنى الخسارة: شمس تغيب وزيف المواساة. أكتب كما لو أني تلميذ وحيد في مدرسة، والسماء صبورة زرقاء، يتحتّم عليّ أن أملأها بالكلمات، في وداع الأستاذ الأخير. أنظر إلى هذا البياض الكبير أمامي وأراه مبتسماً. كل شيء أمامي الآن، أراه بوضوح تام، يمرّ كشريط لا تقصه ذاكرة، ولا تستطيع يد مسّ شيء منه. مكتبه الذي تتناثر حوله كتبُ وقصص. خط يده ينظف أخطائي الوافرة في لغةٍ أخذ معه مفاتيحها. سيره سير الهارب في ساحة ساسين إلى منزله القريب، قرب المقاهي والعابرين الذين يحبّونه ولا يعرفونه. شغفه برينيه شار والإله البعيد والشِعر الذي هو روح العالم. ماض بطيء لكنه برّاق كأضواء تتلألأ من بعيد، ومياه راكدة في لوحة تعشقها العين ولا تقوى على تحريكها. أكتب، كأني أعرج على حبل طويل من الأحرف، وأكاد أتعثر بينها خائفاً من الفراغ الذي يتسع. فراغ شاسع يصل إلى أعماق القلب. فراغ بمخالب صلفة تحفر آثار الغياب، يستكين هناك، يئن قصائد ونصائح وضحكات قديمة لا تتوقف. لا أعرف من أين أبدأ، وكيف أصل إلى خاتمة، أوقن أنها غير لائقة بهذا الألم العظيم. تمرّنت على رحيل أُنسي ولدي شعور أنه تمرّن على ذلك أيضاً حتى أتقنه كما أتقن صناعة فرح الآخرين.
لست ناقداً جيداً يكتب عن فضل أُنسي الحاج على قصيدة النثر العربيّة، ولا قدرة لي الآن على تتبّع آثار سحر العبور بين نصٍ وآخر. لست ناقداً جيداً، ولا قارئاً عادياً حتى. أكتب الآن عن أبي أُنسي. علّمني الكتابة، وأخشى ما أخشاه أن يفلت مني سطر أو تسقط كلمة، فيبتلعها فراغ الرحيل. أتخيّله الآن في الكوريدور. يمشي ببطء شديد وبسرعة شديدة. كالغريب الذي يعرفه الجميع ويعرف أنه الغريب. أجرّب المواساة. أحدثه قليلاً عن الحروب والأخلاق وأعصاب النصوص. يفاجئني في غيابه كما في حضوره بنبذ المحتربين، وصرامة الوصف وسلاسة الأمل القليل المتبقي. أفكر الآن كيف أكون على مقربة منه، ويضعني في موقع للأقوياء، بينما شاركني مديح الضعفاء بسعادةٍ ونقاء. ولا أفشي سرّاً إذا قلت، براحة ضمير، إن ما قيل عنه هو الأصدق في تاريخ الأدب: أُنسي، الأنقى بيننا.
بعد كل شيء لا أدّعي معرفته أكثر من الجميع. مثل الجميع أشعر أني أقرب شخص إليه، أعرفه كثيراً ولا أعرف عنه شيئاً. ومن جملةِ ما أعرفه أنه حرّضني على الكتابة. وأوصاني بما لا يمكن نكرانه إلى الأبد، رغم أنه من أعداء الأبد. أوصاني أن أنحاز إلى الأطفال ضدّ الدبابات، وأنّ أنتظر السماء: ستمطر فراشات وعصافير وأرواح شعراء. ستمطر يا أبي، وأنا أصدّق الشِعر، مخلصاً لكآبة طويلة، تقف على أبواب الربيع، ولا تدخل. ولا أحبّ الرثاء، ويمكنني الجزم بأن أنسي الحاج لم يكن يحبّه. كان يسمّيه فرح الزوال. ولا أحبّ العاطفة التي تفيض بعد الرحيل. لكن فليسامحني إن خيّبت أمله الآن. لا طاقة لي على هذا. كل ما أعرفه عن اللغة، عن الكتابة، علّمني إياه من دون أن أفهم لماذا فعل كل ذلك. فليسامحني، إنه مسؤول عن كل هذا، وأشعر أن موته حدث ضدّي. كأن الأمر خسارة شخصيّة، وكأني أكثر المتضررين.

يمكنك متابعة أحمد محسن عبر تويتر | @Ahmad_Mohsen