لم أكن أعرف أنسي الحاج قبل أن يساهم في الكتابة الأسبوعيّة في «الأخبار». كانت مقالته تنتشر بسرعة وتُقرأ بعناية مع أنه لم يكن يجول في وسائل التواصل الاجتماعي كي يدرك حجم مريديه خصوصاً من النساء. أنسي الحاج من الكتّاب القلائل الذين عبروا الأجيال في تأثيرهم الأدبي القوي.


وعلاقتي مع الشعر العربي الحديث والحديث جداً علاقة مرتبكة (وغير إيجابيّة) تعكس خلفيّة سياسيّة عادت تجربة مجلّة «شعر» لأسباب سياسيّة وأدبيّة. كما أن مساهمة أنسي في تجربة جريدة «النهار» مثّلت لي عنواناً غير مريح مع أنه في تجربة «الملحق» (كان هو وحده مسؤولاً عن نجاحها وفي سن جدّ مبكّرة) خرج عن نطاق الحدود السياسيّة التي رسمها غسان تويني. وفيما كان تويني وغيره في الجريدة يمثّلون سياسات دول الخليج العربي ومعاداة الثوريّة والثورة الفلسطينيّة، كان هو يكتب في مديح العمل الفدائي وله مرثيّة جميلة عن غيفارا بعد إغتياله البشع من قبل عملاء المخابرات الأميركيّة ومن عاونهم في إصطياده.
أخبرني الزميل خالد صاغيّة في ما بعد أن أنسي لم يكن يقرأني في «الأخبار» ولتي كان يكتب فيها (وفي نفس يوم نشر مقالتي الأسبوعيّة) قبل 2008 عندما كتبتُ مقالة ضدّ جمانة حدّاد. قال إنه عندها فقط بدأ بقراءتي. وقد أصبح على ما قيل لي هو المسؤول عن تحرير وتنقيح مقالاتي عند وصولها. وفي أسبوع 7 أيّار، عندما كنتُ قد أرسلتُ (قبل أيّام من حدوثها) مقالة من سلسلة مقالات عن «اليساري السابق» إلى الجريدة، تريّث الزميل خالد صاغيّة حتى لا يظهر الأمر على أنّه تشفّ لما حدث لمكاتب «المستقبل» لكن أنسي— على ما نُقل لي— هو الذي أصرّ على ضرورة النشر، وتمّ ذلك.
لم ألتق بالراحل إلا مرّات قليلة أثناء زياراتي القليلة إلى لبنان. لكنني كنتُ أحرص على سؤاله كثيراً عن تجربته عبر السنوات لما لديه من خبرة طويلة ومعرفة. وما لفتني فيه في مكتبه في «الأخبار» أنّ باب مكتبه كان مفتوحاً دوماً وكان جد متواضع يتواصل باستمرار مع جيل جديد من الصحافيّين (وخصوصاً الصحافيّات اللواتي كان يحرص على حضورهنّ في مكتبه وعلى تشجيعهنّ). لفتني أيضاً أنّه كان سهل التعامل والتواصل على عكس الكثير من جيله من الكتّاب والصحافيّين في لبنان. وحدثته عن تجربته في «النهار» وأخبرني عنها الكثير. قال لي إنه لم يكن حتى يتفق مع سياسة والده لويس الحاج (كشف في كتابه «من مخزون الذاكرة» عن ميول كتائبيّة يمينيّة). قال إنه في سنواته الأخيرة في «النهار» كان يتلقّى مبلغاً كبيراً جداً لرئاسة تحريرها وكان عمله جد مريح من الناحية الماديّة لكنه شعر بضيق شديد من موقف جبران تويني و«النهار» من غزو العراق بالتحديد. لم يعد يستطيع أن يستمرّ، كما قال لي. حاولوا إغراءه في البقاء لكنه لم يستطع.
فاجأني بمتابتعته للأبراج التي تصيبني بالملل. أراد أن يعرف برجي فأجبته قائلاً: أتمنّى ألا تكون من هؤلاء الذين يتابعون الأبراج. فأجابني: لا، أنا أتابع الأبراج علميّاً فقط بناء على دراسات لحركات الكواكب، فضحكت في سرّي. لكنه كان سهل المعشر غير متكلّف. فوجئت عندما قرأت مقالته «حميميّة» (وهي من آخر مقالاته) عن أشخاص عرفهم عبر السنوات أنه ذكرني بالقول: «أسعد أبو خليل الفوضوي لحسن الحظّ». لم أفهم قصده ولم (ولن يتسنّى) لي سؤاله في الأمر.
لم أكن أتفق مع الكثير من كتابات الراحل. أنافق لو إدعيت العكس. كنت أشعر أنّه ينمّط في حديثه عن الطوائف وعن سلوكها وأهوائها، وكنت أتبرّم من إيمانه القطعي بفاصل بين «الرجل» وبين «المرأة» وعن صفاتهما. لكن لأنسي الحاج أثر بالغ في الثقافة اللبنانيّة التي إهتم بها كثيراً (ذهلت عندما علمت انه لم يزر مصر في حياته). لكن أهميّة الحاج تكمن في قدرته على التواصل والمخاطبة عبر أجيال، ومن دون جهد. كانت لغته تعبر من دون حواجز من أي نوع. ستكون جريدة «الأخبار» حزينة يوم السبت، كل يوم سبت. سأشتاق إلى الإستشهاد الغزير من مقالاته يوم السبت على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً من قبل نون النسوة.