قبل أيام، سربت مصادر على صلة بالمجموعات التكفيرية الموجودة في منطقة القلمون، أن أعمالاً كبيرة تنتظر حزب الله خلال الأيام القادمة. ثم تداولت الأجهزة الأمنية معلومات عن خطة أُعدت لينفذها انتحاريون وأعضاء في تنظيم القاعدة، تستهدف الضاحية الجنوبية خلال الأيام الثلاثة المقبلة، وتكون ذروتها خلال إلقاء الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله خطابه عصر الأحد لمناسبة الذكرى السنوية للقادة الشهداء في المقاومة الإسلامية.


ومع أن الأجهزة الأمنية المعنية بملاحقة هذه المجموعات، كانت تنشط بقوة خلال الأسبوع الفائت، إلا أن معلومات حساسة وردت عن قرب المباشرة بالتنفيذ، حتمت التشديد في الرقابة، ما مكنها من تحديد إقامة العنصر التنفيذي الأبرز نعيم عباس، في منطقة الطريق الجديدة (شارع يصل الطريق الجديدة بكورنيش المزرعة)، ليتبين في عملية الدهم التي جرت عند السادسة والنصف صباحاً أنه كان موجوداً هناك برفقة شخص آخر، وهو لبناني، اعترف في التحقيقات بأنه انتحاري كان يتلقى التعليمات من عباس لتنفيذ عملية بسيارة مفخخة في الضاحية الجنوبية أمس.
الضربة الأمنية حصلت ضمن خطة شملت عدة مناطق في لبنان. من البقاع الشمالي إلى بيروت إلى ساحل الشوف، وإلى أطراف مخيم عين الحلوة في صيدا، وإجراءات إضافية عند النقطة الفاصلة بين الطريق الجديدة ومستديرة شاتيلا المؤدية إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تبين أن استنفاراً غير مسبوق ينفذ من 24 ساعة في كل المنطقة، ويجري الحديث عن سيارة مفخخة تسلمها الانتحاري ولم يعثر لها على أثر.

نعيم عباس

لطالما استُخدِم تعبير «صيد ثمين» للدلالة على أهمية موقوف ما يقع في قبضة جهاز أمني. لكن يصعب أن ينطبق هذا الوصف على أحد بقدر ما ينطبق على نعيم عباس. الرجل القوي في تنظيم القاعدة في لبنان، الذي أوقفته استخبارات الجيش أمس، هو «كنز معلومات» يحتاج تفريغ ما في جعبته إلى الكثير من الوقت. والأهم من ذلك، أن القبض عليه أثمر مباشرة. فبتوقيفه أمس، أبطل الجيش اللبناني مفعول تفجيرات وصواريخ كانت ستستهدف المدنيين، في الضاحية الجنوبية لبيروت تحديداً. سيارتان مفخختان، وصواريخ، كانت ستنفجر عشوائياً لتزهق أرواح المواطنين، وتزيد مستوى التوتر في البلاد. إنجاز كبير للجيش واستخباراته التي نفذت عملية التوقيف أمس، بهدوء، بعد القيام بكافة الإجراءات الممكنة للحفاظ على حياة «الكنز ». الرجل خطير إلى درجة أن أمنيين يتابعون عمل التنظيمات الأصولية في لبنان منذ أكثر من 15 عاماً، لم يصدقوا في البداية إمكان أن يكون نعيم عباس قد خاطر بحياته متنقلاً في بيروت والضاحية الجنوبية لبيروت.
لكن نعيم عباس موقوف حقاً، ولم يطل الوقت قبل أن يبدأ بالاعتراف بما في حوزته. فمنذ اللحظات الأولى لتوقيفه، أصيب الرجل بصدمة أدّت إلى انهياره، بحسب مصادر أمنية. ووجه عباس بتسجيلات صوتية وبأدلة سرّعت بانهياره تحقيقياً. تحدّث عباس عن عمليات التفجير التي حدثت في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال الأسابيع الماضية. قال إنه كان يتولى اختيار الأهداف، وتسلّم السيارة المفخخة، ثم استقبال الانتحاري، وتحديد الطريق التي سيسلكها، وكذلك إيصاله إلى تخوم الضاحية. ولفت إلى أن انتحاري الشويفات الأخير، هو الوحيد الذي اختاره بنفسه، وجنّده وأعد العملية من ألفها إلى يائها.
فعلى سبيل المثال، سلّم عباس الانتحاري قتيبة الساطم السيارة المفخّخة قرب سوبركارمت سبينس، في منطقة وطى المصيطبة. لم يكتف بالحديث عن العمليات السابقة. فالسيارة التي ضبطها الجيش أمس في منطقة كورنيش المزرعة، كانت معدة للتفجير يوم أمس، في الضاحية الجنوبية لبيروت. كذلك أوقف الجيش، بحسب مصادر أمنية، الانتحاري الذي كان يفترض أن يقود هذه السيارة (م. م.، من الشمال، وكان يحمل بطاقة هوية مزورة باسم شاب من بلدة تعلبايا البقاعية).
ولعل الحدث الذي لا يقل أهمية عن إحباط عملية تفجير السيارة المفخخة، هو إحباط مخطط قصف الضاحية الجنوبية بصواريخ غراد من تلال مشرفة عليها في جبل لبنان. وكان عباس ينوي تنفيذ هذه العملية يوم الأحد المقبل، بالتزامن مع خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. وجرى ضبط عدد من الصواريخ التي كانت ستستخدم في هذه العملية في منطقتي السعديات والدبية.
وبعد توقيف نعيم عباس، طلبت مديرية استخبارات الجيش من فرع المعلومات توقيف الرقيب ح. ع، الذي كان يخدم في جهاز أمن السفارات، قبل أن تنتقل خدمته إلى منزل الرئيس سعد الحريري في وسط بيروت. وبعد توقيفه والتحقيق معه، سارع فرع المعلومات إلى إبلاغ استخبارات الجيش بأن الرقيب الموقوف لا صلة له بنعيم عباس. كذلك سارع فرع المعلومات إلى تسريب أخبار إلى بعض وسائل الإعلام، ينفي فيها أي صلة للرقيب بنعيم عباس، قبل أن يصدر بيان عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تنفي فيه «نفياً قاطعاً وجود أي علاقة للعنصر المذكور لا من قريب ولا من بعيد بالمدعو نعيم عباس، كذلك ليس له علاقة بأية قضية أخرى أمنية أو خلافه». وأثار استعجال المديرية لنفي أي صلة لـ«ح. ع.» بأي قضية أمنية الكثير من علامات الاستفهام حول ما إذا كانت المديرية تتعمد إخفاء نتائج التحقيقات، ربطاً بالانتماء السياسي للرقيب الموقوف. علماً أنه تردد ليل أمس طلب استخبارات الجيش مقابلة الدركي المذكور، للاستفهام عن بعض الأمور، ولا سيما ما يتعلق بداتا الاتصالات الهاتفية للموقوف عباس.
وكانت بيانات قيادة الجيش قد أوضحت في بيان أن «الجيش كان يرصد عباس منذ مدة، بعد ورود معلومات عن دوره في إعداد سيارات مفخخة وتفجيرها، وتمّت ملاحقته منذ خروجه من مخيم عين الحلوة، في عملية مراقبة دقيقة، أدت إلى مداهمته والقبض عليه. وفور بدء عملية التحقيق معه، سارع إلى الاعتراف بإعداده سيارة مفخخة لتفجيرها لاحقاً، وهي موجودة في محلة كورنيش المزرعة – بيروت، فجرت مداهمتها وتفكيك العبوة التي وجدت بداخلها، وزنتها نحو 100 كيلوغرام من المواد المتفجرة والأحزمة الناسفة، بالإضافة إلى عدد من القذائف، كذلك ضبطت قوى الجيش سيارة ثانية من نوع كيا لونها رصاصي، كانت تتجه من يبرود في سوريا إلى داخل الأراضي اللبنانية ثم بيروت، وبداخلها ثلاث نساء، على أن يسلمن السيارة المذكورة لأشخاص انتحاريين، ولوحقت السيارة وتم توقيفها عند حاجز اللبوة مع النساء الثلاث».
أضاف البيان: «كذلك اعترف الموقوف عباس بوجود مخابئ لسيارات مفخخة تجري مداهمتها حالياً، وأدلى باعترافات تثبت صلته بتفجيرات وقعت أخيراً». وأوضحت القيادة أنها ستصدر لاحقاً بياناً تفصيلياً حول العملية والمتورطين فيها.
وفي بيان ثانٍ اعلنت القيادة أنه «في إطار متابعة التحقيقات مع الإرهابي الموقوف نعيم عباس، دهمت قوة من الجيش بعد ظهر أمس مخزناً في محلة السعديات، وضبطت بداخله عدداً من الصواريخ من عيار 107 ملم، بالإضافة إلى كمية من المتفجرات، ومواد لتصنيع المتفجرات وأختام وهويات مزورة ومعدات تستخدم في التزوير. وعثر على أربعة صواريخ في خراج بلدة الدبية ـ إقليم الخروب، معدة للإطلاق على إحدى المناطق اللبنانية».
وفي أعقاب توقيف عباس وضبط السيارتين المفخختين، أجمعت ردود الفعل على تقدير هذه الإنجازات، مهنئة الجيش بها، وشددت على دعم المؤسسة العسكرية. إلا أن مواقف قوى 14 آذار جاءت خجولة واقتصرت على تيار المستقبل، بينما ساوت الأمانة العامة للقوى المذكورة بين المقاومة والإرهاب!
وأجرى الرئيس سعد الحريري اتصالاً هاتفياً بقائد الجيش العماد جان قهوجي، مشيداً بما حققه الجيش. بدوره، حيّا حزب الله في بيان «جرأة قيادة الجيش وضباطه وجنوده في تصديهم للإرهاب التكفيري الذي يضرب لبنان».
وفي بيان مقتضب، وصفت الأمانة العامة لقوى 14 آذار ما قام به الجيش بأنه «عمل تقني»، وساوت بين الإرهاب والمقاومة، معتبرة أن لبنان لا يمكن أن يستمر بين هذين «الخطرين».




ترحيب حماس والجهاد

أصدرت حركة حماس بياناً عبّرت فيه عن ارتياحها لـ«إنجاز الجيش بتوقيف نعيم عباس والعثور على سيارتين مفخختين، ما أنقذ الساحة الإسلامية في لبنان من مجازر دموية جديدة قد تؤدي إلى تعميق الانقسام وبث الفتنة المذهبية التي لا تخدم سوى العدو الصهيوني». وأكد بيان الحركة أن «الموقف الفلسطيني في لبنان موحد يدين التفجيرات ويرفع الغطاء عن أي متورط فيها». من جهته، لفت ممثل حركة الجهاد الإسلامي في لبنان أبو عماد الرفاعي، إلى أن «الموقوف نعيم عباس فُصل من حركة الجهاد منذ سنوات بعد عمل قام به يخالف قرارات الحركة»، مشيراً إلى أن «عباس رجل خطير وعليه قضايا أمنية». وأكد الرفاعي أن عباس «لم يُشاهَد في المخيمات الفلسطينية منذ سنوات».