لم تكن تطورات الملف السوري، ولا سيما ضمن أطر محادثات «ثلاثي أستانا»، معزولة عن استحقاق الانتخابات المحلية التركية المنتهية أخيراً. بل ظهر حرص شركاء أنقرة على منح الرئيس رجب طيب أردوغان، وقتاً كافياً للتركيز على التحديات الداخلية، على أن تعود الملفات المشتركة العالقة إلى الواجهة تباعاً، وخاصة في شأن سوريا. ويرجح أن تكون بوابة العودة الرئيسة عبر اجتماع «أستانا» المقبل، الذي يجري الإعداد لعقده في حدود الأسبوع الأخير من شهر نيسان الجاري، على ما تفيد به معلومات «الأخبار».

وينتظر أن تنطلق المشاورات بين نواب وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا خلال الأيام المقبلة، لتنسيق الملفات التي ستتصدّر أجندة الاجتماع المقبل، المؤجّل أصلاً لحساب «قمة سوتشي» الرئاسية الأخيرة. وبحسب المعطيات المتوافرة، لن يكون لقاء «أستانا» روتينياً، بل سيتضمن بحث نقاط تفصيلية مهمة، خاصة في ملف إدلب، وهو ما لمّحت إليه تصريحات وزيري الخارجية الروسي والتركي في لقائهما الأخير في أنطاليا التركية. وسيكون للقاء الرئيسين الروسي والتركي في موسكو في 8 نيسان الجاري، ضمن إطار «مجلس التعاون الروسي ــ التركي»، دور مهم في تحديد حساسية اجتماع «أستانا» المقبل، ولا سيما أن الضيف التركي لا يحمل في جعبته أي إنجازات محققة في ملفَّي المنطقة «منزوعة السلاح»، و«تحييد الفصائل الإرهابية» ولا سيما «هيئة تحرير الشام» وباقي التنظيمات «القاعدية». وهو ملفّ تدفع دمشق لحسمه، بعيداً عن حسابات «التهدئة» السياسية التي تمدّد مهل أنقرة تباعاً.

يستضيف بوتين نتنياهو غداً في «زيارة عمل قصيرة»


ورغم غياب النشاط الديبلوماسي العلني في هذا الشأن لعدة أشهر، عكست تطورات الميدان طبيعة التجاذبات في محيط إدلب. إذ تمكّن الجانبان الروسي والتركي من ضبط إيقاع الجبهات، بعد تصعيد لافت تضمّن تدخّل سلاح الجو الروسي بقوة نارية كبيرة، وذلك بموازاة إعلان وزارة الدفاع التركية تسيير دوريات «منسّقة»، ولكن منفصلة، على حدود المنطقة «منزوعة السلاح» في إدلب وحماة، وفي تل رفعت وريف حلب الشمالي. ولم يصدر تأكيد من الجانب الروسي حينها، لكن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عاد ولمّح قبل أقل من أسبوع إلى وجود توافق حول تسيير تلك الدوريات في ثلاث مناطق لم يحدّد موقعها. واللافت أن تعزيز عمل صيغة «أستانا» يدفعه التوتر المتصاعد بين أنقرة وواشنطن، الذي تكرّس أحد مفاصله أول من أمس عبر إعلان وزارة الدفاع الأميركية أنها ستعلّق تسليم معدات خاصة بطائرات «F-35»، للضغط على أنقرة وتعطيل صفقة شرائها منظومة «S-400» الروسية. وجاء حديث الوزارة صريحاً بالقول إن التجميد سيستمرّ حتى «اتخاذ قرار صريح من تركيا بالامتناع عن تسلّم منظومة S-400»، وهو أمر كانت أنقرة قد أكدت أنه لن يحصل، بحكم أنها باتت في مرحلة انتظار تسلم النظام الدفاعي الروسي. ولم يغفل الجانب الروسي ولا الإيراني أهمية استغلال التوتر بين أنقرة وواشنطن، إذ بادرت طهران إلى إرسال برقية تهنئة بالانتخابات المحلية التركية، فيما شهد أول من أمس اتصالاً بين أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وفي موازاة تلك التطورات، ينتظر أن يستضيف بوتين غداً في موسكو، رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفق ما أكد المتحدث باسم «الكرملين» ديميتري بيسكوف. ويفترض أن تتخلّل الزيارة «محادثات قصيرة»، لم تُعلَن الملفات التي ستكون على جدول أعمالها. ويأتي اللقاء بعد شهر وأيام قليلة على زيارة نتنياهو الأخيرة للرئيس الروسي، التي خرج بعدها الجانب الإسرائيلي بأنباء عن «توافق على تشكيل مجموعة عمل جديدة... تبحث (في ما تبحثه) خروج القوات الأجنبية من سوريا»، قبل أن ينفي الجانب الروسي ذلك، ويؤكد ألّا حاجة لإطلاق أي صيغ جديدة لبحث ملف «التسوية السورية».