أغمضت المخرجة البلجيكية الفرنسية أنييس فاردا (1928 – 2019) عينيها بعد مسيرة صاخبة امتدت لسبعة عقود، توجّت خلالها سيّدة أول أفلام الموجة الجديدة في السينما الفرنسية. مسيرة قدّمت خلالها مجموعة هائلة من الأعمال الدرامية والوثائقية التي ألهمت جيلاً كاملاً من المخرجين الكبار. وكما يليق بنبيّة، ودّعت جمهورها قبل الرحيل بفيلمها الأخير «فاردا بحسب أنييس» (2019). كأنه فسيفساء ملّونة جمعت فيه أشياء من لفائف ذاكرتها مع مخاطبات مطوّلة عن تجربتها الذاتيّة وموقفها من الحياة والحب والسينما.

لم تأت فاردا إلى السينما من السينما، بل من التصوير الفوتوغرافي... هي التي قالت إنّها أنتجت شريطها الأول، ولم تكن قد شاهدت في حياتها ما يزيد عن عشرة أفلام فقط. ملهموها كانوا رسامين رأوا العالم بشكل مختلف: سيزان الذي التقط روح الحياة اليوميّة والناس العاديين، ومونيه أستاذ التلاعب بالألوان والفراغات كما رينوار. ولذا، فأعمالها كانت نوعاً من جسر بين الفن التشكيلي الانطباعي وأفلام الواقعيّة الشعريّة كما عند جان كوكتو وجان فيغو، وحفلت بتلاعبات ذكيّة بأدوات الظل والظلال والضوء الطبيعي وتدرّجاته ودائماً على حدود التقاطع بين التوثيق والدراما.
هذا التجسير الاستثنائي بين العالمين الذي لا تقدر عليه إلا روح شاعرة امتشقت عين الكاميرا لكتابة قصائدها، بدا جليّاً منذ فيلمها الأول «لا بوانت كورت» (1955) الذي كان نتاج رحلة لالتقاط الصور أساساً أثناء زيارتها لبلدة صغيرة على شاطىء المتوسط كانت تعرفها في صغرها، لتنتهي بفيلم كأنّه فيلمان معاً: فيلم وثائقي يحتفي بالحياة اليومية للسكان المحليين، يأتي كخلفيّة مبهرة لفيلم درامي موازٍ عن ثنائي بدا انفصالهما محتّماً رغم أنهما أتيا في إجازة للبلدة لمحاولة انقاذ العلاقة.
لذلك، تبدو فاردا كصائد مرهف للفرص. عيناها الحساستان قادرتان على التقاط اللحظات الفوتو- سينمائيّة عند التقاء المكان بالزمان، وهي مشاهد يراها الآخرون اعتيادية ومألوفة ورتيبة. السينما كلّها عند فاردا فرصة كبرى لفهم العالم والآخر والذات، حتى إنّ كثيراً من أعمالها تبدو كمغامرات فكريّة تصطحب خلالها فريق عملها ومشاهديها للوصول معاً إلى نوع من موانىء وفهم أفضل لدواخل البشر. خذ مثلاً فيلمها المعروف «السعادة» (1965) الذي يحكي قصة رجل سعيد بزواجه وعائلته، يلتقي امرأة أخرى فيقع في غرامها ويصبح أكثر سعادة. تسمح فاردا للأحداث بالتطوّر من دون إصدار أحكام، وتستكشف حدود المشاعر والقلق إلى أقصاها في أجواء تشبه بنية مؤامرة لا يشترك بها أبطال الحكاية وحدهم، بل كل عناصر الفيلم الأخرى: الأشياء والحيوانات والإشارات وحتى الألوان في المشاهد التي صورت في عزّ الصيف حيث الضوء مشرّع على آخره.

السينما بالنسبة إليها فرصة كبرى لفهم العالم والآخر والذات


نفت فاردا دائماً ما ذهب إليه النقّاد في الستينات بأن جرأتها في التلاعب بالألوان كانت نتيجة تأثرها بأعمال المخرج جاك ديمي الذي تزوجته في 1962 وبقيت معه لحين وفاته في 1990. رغم علاقتهما العائليّة القريبة، لم يعملا معاً قط. وحتى عندما حوّلت مذكراته عن نشأته في نانت (شمال غرب فرنسا) إلى فيلم، كان ديمي وقتها يزور موقع التصوير ليشاهد ماضيه مصوّراً، ويعطي موافقته على دقة الأحداث لا طريقة تصويرها. مع ذلك، فأعمال المخرجين الزوجين جمعها النفس الشعري، وفرص التلاقي الضائعة والصدف المحضة.
سنة 1962 كان مفصليّة في حياة فاردا. إلى جانب زواجها بديمي، طرحت فيلمها الممتع «كليو من 6 إلى 7» الذي يتراقص بين وقت الساعة، والساعة السيكولوجيّة والساعة السينمائيّة، فكأنه عدة أفلام قصيرة في فيلم كبير. يحكي العمل قصّة مغنية محاطة برجال كثيرين، لكنها لا تعتمد على أحد منهم. تنتظر بقلق بين الساعة الخامسة والسابعة مساء نتيجة فحوص السرطان وتلتقي مصادفة بجندي مغادر إلى الجزائر. واللطيف أن الوقت الباريسي بين الخامسة والسابعة هو الوقت الذي تلتقي فيه العشيقات بعشاقهن المتزوجين: أي بعد أن يغادروا أعمالهم في نهاية اليوم وقبل أن تبدأ زوجاتهم بالشك في تأخرهم. ليست بطلة الفيلم كورين مارشان هي نجمة الفيلم (رغبت مادونا دومة بإعادة تقديمه للشاشة) بقدر ما هي حشود الفرنسيين (الكومبارس) الذين نراهم في المقاهي والبارات وباصات النقل غارقين في آلاف القصص الصغيرة الجانبيّة التي ترسم معاً لوحة ضخمة عن الحياة اليومية لعصر كامل.
ربما يكون أكثر أفلامها نجاحاً من الناحية التجاريّة «بلا سقف ولا قانون» (1985) الذي يحكي قصّة فتاة تعيش وحيدة على هامش الحياة وتلتقي بأشخاص كثيرين يتحدثون للكاميرا عن انطباعاتهم السلبية عنها، بينما تحكي الأحداث صورة مختلفة لها كروح مفعمة بالعواطف المرهفة والحريّة والنبل. عند فاردا ربّما السينما وحدها هي التي تقدر أن ترى حقيقة الناس.
صورت فاردا أعمالاً ممتازة عن كوبا كاسترو وصين ماو وأميركا الـ «بلاك بانثر»، لكنها نفت دوماً انخراطها في العمل السياسي المباشر مع الشيوعيين الفرنسيين لأنها كانت تلعب دور نصف إله متفرّد الرؤية لا يمكنه أن يكون عضواً في تنظيم مهيكل. لكنها دعمت القضايا النسويّة وأنتجت وثائقيّات عدة عن علاقة النساء بأجسادهن. فيلمها الأخير «فاردا بحسب أنييس» بدا كأنه رسالة وداعها للعالم الذي أحبته وأحبها.