الجزائر | لم يستقبل المحتجّون الجزائريون بحرارة دعوة رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، إلى تطبيق المادة 102 من الدستور، التي تعرض كيفية انتقال الحكم في حالات وفاة الرئيس أو استقالته أو مرضه الخطير. ووقفت «الأخبار»، أول من أمس، خلال جولة في العاصمة، بعد ساعات من تصريح رئيس الأركان، على «لا مبالاة» تامة استُقبل بها القرار. ولم يتقبّل كثير من المُستطلعة آراؤهم أن يخلف الرئيسَ عبد العزيز بوتفليقة رئيسُ مجلس الأمة عبد القادر بن صالح، وهو أحد أبرز رجالات النظام في الثلاثين سنة الأخيرة، ما يجعله ـــ من وجهة نظرهم ـــ معنياً بالضرورة بدعوة «يرحلون جميعاً» التي يرفعونها في كل جمعة.

ومنبع التخوف لدى العديد من الجزائريين هو أن تطبيق المادة 102، سواء بإثبات المانع الصحي على الرئيس أو استقالته، يتيح هوامش محدودة جداً لتغيير النظام كما يطالبون. ذلك أن الدستور ينص بوضوح على أنه في حالة تولي رئيس مجلس الأمة رئاسة البلاد بالنيابة، فإنه لا يجوز حتى القيام بتغيير حكومي أو إصدار قوانين. وكل ما يستطيعه الرئيس المؤقت هو تسيير الشؤون العامة للبلاد، في انتظار تسليم السلطة للرئيس المنتخب في ظرف ثلاثة أشهر. وهذا ما سيؤدي، بالضرورة، إلى تنظيم انتخابات رئاسية وفق قانون الانتخاب الحالي، وتحت الإشراف المباشر لوزارة الداخلية، وليس «الهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات» كما تطالب بذلك المعارضة، ما يجعل شبح تزوير الانتخابات لصالح مرشح السلطة حاضراً.
وفي خضمّ جدل كبير أثارته تصريحات رئيس الأركان، ظهرت اقتراحات عملية لجعل الدعوة إلى تطبيق المادة 102 أكثر ملاءمة لما يطالب به الشارع، من خلال دعوة البعض إلى استقالة رئيس مجلس الأمة الحالي، والتعويض عنه بشخصية أخرى تعود إليها رئاسة البلاد بعد إعلان شغور المنصب، ثم تشكيل حكومة كفاءات وطنية، يعود إليها الإشراف على تنظيم الانتخابات. لكن هذا الحل يبدو صعب التطبيق بالنظر إلى ضيق الوقت، وعدم بروز شخصية معينة بإمكانها أن تقبل بذلك الدور. أما الاقتراح الآخر المطروح، فهو الاعتماد فقط على روح المادة 102، من خلال تطبيق شغور منصب الرئيس، لكن من دون اتباع باقي الإجراءات التي تنص عليها، خاصة فكرة تنظيم الانتخابات بالأسلوب القديم نفسه في ظرف ثلاثة أشهر. ويقترح أصحاب هذه الفكرة أن تُعهد إلى هيئة رئاسية مؤلفة من شخصيات وطنية مهمة تسيير البلاد، وتغيير قوانين الانتخابات، وتشكيل هيئة مستقلة لتنظيمها في ظرف زمني يتراوح بين ستة أشهر وسنة، لضمان قواعد لعبة سليمة قبل تنظيم الانتخابات المقبلة.

اعتبرت قوى معارضة دعوة قائد الجيش «انقلاباً أبيض» ودعت إلى محاسبته


يحاول أصحاب هذه الأفكار إيجاد مخرج مناسب من الظرف الجزائري الحالي، خصوصاً في ظلّ تعبير العديد من المتابعين عن مخاوف إزاء تغوّل المؤسسة العسكرية في الفترة المقبلة، باعتبارها صاحبة الفضل في إطاحة الرئيس بوتفليقة. ويعيب كثيرون على رئيس الأركان تدخله المباشر في الشأن السياسي لفرض إعلان شغور منصب الرئيس، بعدما كانت تدخلات المؤسسة العسكرية في السابق تتمّ في السر، وهو ما يُخشى أن تكون الغاية منه ظهور الفريق قايد صالح بمظهر البطل الذي أنقذ الجزائريين، من أجل حسابات سياسية مستقبلية، في ظلّ أحاديث كثيرة عن أن طموحات رئاسية تسكنه منذ زمن، وهو ما قد يؤدي بالجزائر إلى حالة شبيهة بالتجربة المصرية التي اعتلى فيها المشير عبد الفتاح السيسي الحكم، بعدما كان وزيراً للدفاع. وحتى لو لم يتحقق هذا الاحتمال، سيبقى الجيش ـــ في ظلّ المادة 102 ـــ حاضراً بقوة في احتمال اختيار مرشح للنظام والعمل على إنجاحه ما دامت الآليات نفسها قائمة.
هذه المخاطر كلها جعلت أحزاب المعارضة تُحذر من تبعات دعوة رئيس الأركان، حتى إن حزب «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية» ذهب إلى اعتبار ما جرى «انقلاباً أبيض»، داعياً إلى محاسبة الفريق قايد صالح باعتباره كان يخفي عدم قدرة الرئيس بوتفليقة على الحكم لسنوات، تاركاً «القوى غير الدستورية» (محيط الرئيس القريب) تسيطر على رئاسة الجمهورية. ووصف حزب «العمال»، بدوره، ما جرى بـ«التدخل الخطير للعسكري في الشأن السياسي»، معتبراً أن تفعيل هذه المادة يعني بقاء الحكومة الحالية والبرلمان بغرفتَيه، في حين أن «غالبية الشعب تطالب برحيلهما». ورأت «جبهة القوى الاشتراكية»، وهي أقدم حزب معارض في الجزائر، من جهتها، أن ما يريد فرضه الجيش سيساعد على إبقاء النظام، وهو «أبعد ما يكون عمّا يريده الشعب». وعلى ضفة الإسلاميين، كان الاتفاق على أن خطوة الجيش تظلّ ناقصة، ويجب استكمالها بفترة انتقالية تتيح تلبية مطالب الشعب. أما المفاجأة الكبرى فجاءت من حزب «التجمع الوطني الديموقراطي»، الذي يقوده الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، والذي دعا صراحة الرئيس بوتفليقة إلى الاستقالة، مشيداً بدعوة الجيش. وأصدر قياديون في حزب «جبهة التحرير الوطني» (حزب الرئيس) بياناً يدعون فيه إلى تطبيق المادة 102، كما دعا إلى ذلك الجيش.
وإلى يوم أمس، لم يجتمع المجلس الدستوري لإثبات شغور منصب الرئيس، وهو ما خلّف علامات استفهام حول حقيقة وجود مقاومة من محيط الرئيس لدعوة رئيس الأركان، بعدما أصبح الطلاق بينهما ظاهراً. ويُعدّ رئيس المجلس الدستوري، الطيب بلعيز، من أكثر الشخصيات ولاءً للرئيس ومحيطه، لكن الواقع اليوم أصبح قاهراً بالنسبة إليه، في ظلّ تراجع كل أنصار الرئيس تقريباً عن دعمه، وعدم قدرته بمفرده على صدّ دعوة أقوى مؤسسة في البلاد.