يسهل الاستغراق في نظريات المؤامرة لتفسير انكسار الثورات المصرية منذ الثورة العرابية حتى ثورة «يناير» من دون النظر إلى أوجه القصور الفادحة التي سمحت للمؤامرات أن تنفذ إلى مقاصدها. بحكم أن مصر بلد محوريّ في إقليمه وعالمه يصعب إنكار المؤامرات، والوثائق متاحة لمن يريد أن يقرأ، غير أن التآمر لا يتحقق أثره إلا إذا كانت الثغرات تفسح المجال أمامه وتمهد لانقضاضاته.

النقد من الداخل يكتسب شرعيته التاريخية من طلب التصحيح والتصويب حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها مرة بعد أخرى.
وقد كانت تجربة جمال عبد الناصر ملهمة لقضية النقد والمراجعة. بعد صدمة 5 يونيو/ حزيران 1967 جرت مراجعات واسعة لأسباب الهزيمة وأوجه الخلل في بنية النظام السياسي قادها عبد الناصر بنفسه.
في محاضر رسمية حاكم نظامه بأقسى ما يمكن تصوره من عبارات، لم يكن مستعداً أن يسامح نفسه على أنه لم يحسم الأوضاع المختلة في القوات المسلحة قبل أن تقع الواقعة، أو أن يتسامح مع أسباب الهزيمة. قال: «يا ريت نقول الحقيقة ولو لمدة ثلاث دقائق!»، مستلهماً قصيدة روسية شهيرة ذاعت في ذلك الوقت أمام اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي يوم ٣ أغسطس/ آب ١٩٦٧.
نصّ محضر ذلك الاجتماع هو الأكثر أهمية وخطورة في مراجعات عبد الناصر بعد الهزيمة.
هناك مراجعات عديدة تضمنتها محاضر اجتماعات أخرى، اشتد فيه نقده لنظامه، غير أن هذا الاجتماع ـ بالذات ـ هو الأكثر تكاملاً في شرح مقدمات الهزيمة وأوجه الخلل الأساسية، وما جرى من المشير عبد الحكيم عامر ووزير الحربية شمس بدران لحظة الهزيمة وبعدها، وفي إجابة سؤال: «ما العمل؟». «في رأيي أن النظام الحالي استنفد مداه ولا بد من نظام جديد». «ما يُقال في البلد هذه الأيام... أن النظام بياكل نفسه، والمستقبل بهذا الشكل سيكون خطيراً جداً، لذلك أنا رأيي أن نعمل فوراً على تغيير النظام الـSystem اللي ماشيين عليه لأنه لازم فيه خطأ. المعروف أن نظام الحزب الواحد تحدث فيه دائماً صراعات في القمة على السلطة».

تتوافر آلاف الوثائق عن «يونيو» وأسرارها، غربية وإسرائيلية، من دون أن تكون هناك رواية مصرية واحدة رسمية


«تصوروا أننا أكبر هيئة سياسية في البلد وعددنا سبعة أعضاء فقط ولم نتكلم. لم نقل الحقائق في وقتها. هذا يعني أن النظام تدهور وتدرج في السقوط إلى حد أننا شعرنا بالخوف من أن نتكلم، وخفنا أن نقول الحقيقة. من جانبي أنا أعترف وبنقد صريح أنني أخطأت عندما تركت الإشراف على الجيش منذ عام ١٩٦٢ بحيث لم أعد على علم بما يحدث فيه. وكان قصدي في ذلك الوقت أن أطمئن عبد الحكيم مني شخصياً، ولكن اعتبر ذلك خطأ مني».
«حتى نتحرر من الخوف وبعد ذلك نحرر البلد كلها من الخوف... لا بد من أن نسمح بوجود معارضة في البلد، طبعاً لا أتصور لتكوين هذه المعارضة أن نقول إن زكريا محيي الدين يمثل اتجاهاً معيناً وأمامه علي صبري يمثل اتجاهاً آخر. وبذلك يصبح هناك حكم ومعارضة. لو بنعمل كده يبقى بنعمل مسرحية المعارضة». «المعارضة الحقيقية هي أننا نجيب الذين يعارضوننا فعلاً في الوقت الحاضر مثل عبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين». «لا أريد معارضة ممسوخة».
كانت فكرته التي عرضها على ذلك الاجتماع إنشاء حزب معارض حقيقي له جريدة تعبّر عنه فيما يعاد بناء الاتحاد الاشتراكي كحزب على أن تجرى انتخابات برلمانية جديدة قبل نهاية العام على أساس قائمتين لحزبين، من يكسب يتسلم السلطة والآخر يشكّل المعارضة على أن يبتعد الجيش والشرطة عن العمل السياسي باعتبارهما جهازين محترفين.
«... لو نفذنا هذا الاقتراح سنشفى من كل الأمراض الموجودة بيننا في الوقت الحاضر، وسيتحرر كل واحد فينا من الخوف الذي سرى بيننا من أكبر هيئة إلى أصغر هيئة». «أنا ضد نظام الحزب الواحد لأن الحزب الواحد يؤدي غالباً إلى قيام ديكتاتورية مجموعة معينة من الأفراد». «... إن لم نغيّر نظامنا الحالي سنمشي في طريق مجهول ولن نعلم من يستلم البلد بعدنا». «لم يبق في عمر معظمنا أكثر من عشر سنوات، خاصة بالنسبة لي مع المرض اللي عندي والجهد الذي أتعرض إليه. لذلك أنا شايف ضرورة تغيير نظامنا بحيث لا يسمح النظام الجديد لشخص أو لشلة غير واعية أو جاهلة سياسياً أن تحكم البلد. البلد الذي أعطانا ثقته المطلقة بلا حدود».
وفق محضر الجلسة التالية يوم ٤ أغسطس طرح عبد الناصر سؤاله الملح: «إلى أين المسير بهذا النظام القديم؟».
«لا بد من أن يكون نظامنا مفتوحاً، ولا بد أن تكون هناك معارضة، كما يجب أن نفتح الباب للجرايد أن تكتب بالمفتوح لأنني أعتقد أن الطهارة الثورية بعد خمسة عشر عاماً (من الثورة) أصيبت كثيراً، وحتى الوحدة الفكرية بيننا أصبحت غير موجودة». «الاستمرار فيما كنا عليه قبل ٦٧ مستحيل، وإذا تبيّن لنا أن منافسينا الجدد أفضل منا وأصلب منا فلنعلن بكل شجاعة أدبية إننا ماشيين ليحل مكاننا الآخرون حرصاً منا على خدمة الناس وعلى مصلحة البلد».
«اختيارنا للنظام المفتوح يحتاج لكثير من التغيير، وإلا سيبقى مجرد ألفاظ وسينظر إليه الناس بعدم الثقة ويقولون إننا رفعنا هذا الشعار من أجل أن تتفتح الزهور فقط على طريقة المثل الصيني ليسهل تمييزها وقطفها». «إني أقسمت على نفسي يوم ٩ يونيو ألا أعالج الموضوعات السياسية عن طريق المساومات أو عن طريق الموازنات، كما أقسمت أيضاً أن أقاتل في سبيل مبدأي، وأن أقول رأيي بكل صراحة».


بدا عبد الناصر كمن يثور على نظامه. ولم تكن أول مرة. في مطلع الستينيات ثار على نظامه بتحولات اجتماعية غيرت في البنية الطبقية، وأحدثت حراكاً غير مسبوق. كأي تجربة إنسانية كانت هناك أخطاء بعضها أقرب إلى الخطايا، غير أن المسار العام حكمه مشروع واضح في معالمه وتوجهاته. كانت تلك ثورة اجتماعية. في أعقاب الهزيمة ذهبت انتقاداته لنظامه إلى ما يقارب الثورة عليه. دعا إلى مجتمع سياسي مفتوح و«دولة المؤسسات والقانون» والقضاء على مراكز القوى داخل النظام، ودخل باجتماعات مسجلة للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي إلى ما يشبه المحاكمة لنظامه كله.
المثير في تلك المحاضر المسجلة أن أغلبية الأعضاء لم يكونوا في صف الرئيس، عارضوا فكرته بداعي أن هناك خطورة من تعديل النظام قبل إزالة آثار العدوان، أو أنه يؤدي إلى تفسيخ البلد في هذا الظرف بواسطة المعارضة، لأن «شعبنا بخير ويثق في هذا الرجل» ـ كما قال «أنور السادات» في أحد الاجتماعات المسجلة بانفعال كبير، مشيراً إلى عبد الناصر.
فكرة الانتقال إلى نظام حزبي تعددي طرحها على اجتماعات تنفيذية (مجلس الوزراء) في أغسطس من السنة نفسها، وتنظيمية (جلسات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي) في ٣ أكتوبر/ تشرين الأول ١٩٦٨ ـ و١٩ أكتوبر ١٩٦٨ لكن لم يتح له الوقت الكافي لبناء نظام جديد يحفظ قيم الثورة الرئيسية في التحرر الوطني والعدل الاجتماعي، ويرد اعتبار الحريات العامة والحق في التعبير. في خطوة راديكالية أجريت انتخابات اللجنة التنفيذية العليا، أعلى سلطة سياسية، بنزاهة، بعد أن رفض عبد الناصر تعيين أعضائها، رغم الإلحاح عليه. المراجعات جرت في توقيت واحد مع إعادة بناء القوات المسلحة والدخول التدريجي في مواجهات عسكرية مباشرة. كان عبد الناصر مستعداً أكثر من غيره لتقبل كل نقد لأسباب الهزيمة وتفهم دواعي أصحابها مهما بدت العبارات قاسية ـ كما فعل الشاعر نزار قباني في «هوامش على دفتر النكسة»، التي كتبها بحد سكين غضبه.
«أنعي لكم، يا أصدقائي، اللغةَ القديمة
والكتبَ القديمة
أنعي لكم..
كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة..
ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة
أنعي لكم.. أنعي لكم
نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة».
«يا سيّدي..
يا سيّدي السلطانْ
لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ
لأنَّ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ
ما قيمةُ الشعبِ الذي ليسَ لهُ لسانْ؟».
تعرضت أعمال نزار قباني للمصادرة في مصر.
جرت حملة صحافية عليه بدواعي الغيرة في النفوس، تصدرها الشاعر صالح جودت. بنصيحة من الناقد الأدبي «رجاء النقاش»، كتب نزار خطاباً إلى عبد الناصر الذي لم يكن قد قرأ الديوان الغاضب. عندما أطل على نصه طلب نشره في مصر من دون حذف حرف واحد. بعد سنوات قليلة من هذه القصة المثيرة اختلفت المواقع. هاجم صالح جودت عبد الناصر بعد رحيله بضراوة فيما أنشد فيه نزار قباني قصيدة رثائية فاقت شهرتها «هوامش على دفتر النكسة»:
«قتلناكَ..
يا حبّنا وهوانا..
وكنت الصديق، وكنت الصدوق،
وكنت أبانا..
وحين غسلنا يدينا..
اكتشفنا..
بأن قتلنا منانا..
وأن دماءك فوق الوسادةِ..
كانت دمانا..».
«فليتكَ في أرضنا ما ظهرْت..
وليتك كنت نبيّ سوانا..».
الفارق الزمني بين القصيدتين ثلاث سنوات. والفارق الموضوعي هو الفارق نفسه بين نظام أخفق في حفظ سلامة حدوده ومشروع ألهم العرب ذات يوم أنهم قوة يعتد بها في عالمهم، وأنهم يستطيعون أن يصنعوا مستقبلهم بأنفسهم. المأساوي في القصة كلها أن ظلال الهزيمة ما زالت ماثلة، كأنها لم تغادر المسرح أبداً. عبرت مصر قناة السويس بقوة السلاح في أكتوبر ١٩٧٣، وكان يفترض أن تعبر أي مشاعر لحقت الهزيمة، لكنها تكرست. النتائج ناقضت التضحيات والسياسة خذلت السلاح. كان الوجه الآخر لتبديد ثمار النصر في أكتوبر هو تكريس الهزيمة في يونيو. بدا الأمر مقصوداً حتى وصلنا إلى حافة اليأس. ما هو متوافر ـ حتى الآن ـ شهادات لقادة عسكريين يروون وقائع كانوا طرفاً فيها، يدافعون عن أنفسهم، أو يتهمون آخرين بالمسؤولية. حسب المثل الشائع فإن «الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب».
الشهادات المتوافرة ـ رغم أهمية بعضها ـ لا تؤسس لرواية مصرية موثقة وكاملة. وثائق «يونيو» مودعة في خزائنها، والخزائن عليها أقفال ومتاريس. ليس من مصلحة مصر حجب ما تقصته لجنة برئاسة اللواء حسن البدري، المؤرخ المعتمد للجيش المصري بعد يونيو مباشرة عن أسباب الهزيمة. تتوافر آلاف الوثائق عن يونيو وأسرارها غربية وإسرائيلية من دون أن تكون هناك رواية مصرية واحدة لها صفة الرسمية. الدول تنشر وثائقها السياسية والعسكرية بعد عدد معين من السنين لتضع الحقيقة أمام مواطنيها ـ أيّاً كانت مرارتها ـ حتى لا تتكرر أي أخطاء جرت في الماضي.
لماذا يُراد ـ حتى الآن ـ تكريس الهزيمة في الوجدان العام، رغم النصر العسكري في «أكتوبر»؟


الأمر نفسه نفتقده في حربي «الاستنزاف» و«أكتوبر». هناك شهادات ودراسات نُشرت لكن الوثائق قضية أخرى.
للوثائق كلمة أخيرة تجيب عن كل الأسئلة: كيف هزمنا ولماذا؟ وكيف قاومنا وصمدنا حتى عبرنا الهزيمة في أكتوبر؟ ثم كيف أجهضت نتائجها السياسية؟
قيمة تقرير اللواء حسن البدري أنه قد صيغت على أساسه خطط إعادة بناء القوات المسلحة من تحت الصفر تقريباً على أسس استقصائية دقيقة لأوضاع الخلل فيها قبل الهزيمة. هناك فارق بين مراجعة التاريخ بالوثائق المثبتة لإدراك حقائقه وتصحيح الذاكرة العامة وبين تعميق الشعور بالهزيمة كقدر إغريقي لا يمكن الفكاك منه، أو نفي أسبابه.
بلغة الوثائق يتأسس الاتفاق والاختلاف على قاعدة معلومات صلبة. بعد «يونيو» جرت مراجعتان على قدر كبير من الأهمية. الأولى، إعادة تصحيح دور القوات المسلحة، ومنع دخولها في غير طبيعة مهامها. أعيد بناؤها وفق مواصفات الجيوش الحديثة التي تُعلي من شأن الكفاءة والاحتراف وتمنع الانشغال بالسياسة. وأُسندت مسؤوليتها إلى نخبة من العسكريين الأكفاء في القيادة العامة، كما في جميع الأسلحة. تصدر المشهد العسكري المصري أفضل ما في البلد من كفاءات متاحة. كانت الوطنية المصرية مستعدة أن تقدم كل ما لديها من طاقات عطاء ودم بإيمان حقيقي أن البلد تحارب معركة وجودها ومستقبلها. لم تكن مصادفة بعد أيام من الهزيمة أن تفرض قوات محدودة في «رأس العش» كلمتها على الإسرائيليين وتوقع بهم خسائر فادحة في لحظة انتشاء عسكري. جرت بطولات تقارب الأساطير في ظروف شبه مستحيلة. «عضم إخوانا نلمه.. نسنوا.. ونعمل منه مدافع». بكلمات بسيطة في بنائها الشعري وصادقة بزخمها الوطني نشأت ظاهرة فرقة «أولاد الأرض» وبدا قائدها الكابتن «غزالي» ملهماً لقدرة المقاومة على اجتراح المعجزات.
«يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي
استشهد تحتك وتعيشي أنت».
تلك الكلمات لعبدالرحمن الأبنودي أنشدها صوت محمد حمام العميق الشجي مع فرقة «أولاد الأرض»، كما لو أنها رسالة أن البلد متأهبة للقتال أيّاً كانت التضحيات. أفضل أغنيات أكتوبر لحنت وغنيت قبل أن تدوي المدافع فوق الجسور ـ كأنها نبوءة مبكرة بالنصر الممكن، كما أغنية: «راجعين بقوة السلاح» في فيلم «أغنية على الممر».
بهذه الروح تمكنت القوات المصرية من خوض حربي «الاستنزاف» و«أكتوبر»، وكان الجندي المصري العادي بطلهما بلا منازع. شاع وقتها شعار «يد تبني ويد تحمل السلاح». البناء والحرب معاً، القتال والتصحيح في الوقت نفسه.
مثّلت الهزيمة تراجعاً فادحاً في المشروع القومي العربي، لكنها لم تكن نهاية المطاف. كانت السنوات التي أعقبت الهزيمة أفضل سنوات العسكرية المصرية، وأفضل سنوات جمال عبد الناصر، بالنظر إلى حجم العطاء الذي بُذل. لماذا يُراد ـ حتى الآن ـ تكريس الهزيمة في الوجدان العام، رغم النصر العسكري في «أكتوبر»؟ في الحرب العالمية الثانية سحقت القوات الفرنسية. احتلت عاصمتها باريس، ودخلها الزعيم النازي أدولف هتلر مزهواً لالتقاط الصور التذكارية عند برج إيفل.
بعد تحريرها وضعت لوحات تذكارية عند الأماكن والأبنية التي سقط بجوارها شهداء المقاومة الفرنسية. لم يجئ تحرير فرنسا بفضل قوات الجنرال شارل ديغول وحدها، فقد قادت العمل العسكري القوات الأميركية. لم يكن في مصر متعاونون علنيون مع قوات الاحتلال كما حدث في فرنسا، ولا قادت معاركها بالنيابة قوات أجنبية. مصر التي انتصرت ـ بغض النظر عن أية مساجلات في حجم النصر ـ كان يتعيّن عليها أن تطوي صفحة الهزيمة، غير أن ذلك لم يحدث عن سبق إصرار، كأننا لم نحارب ولم ننتصر، وكأن إسرائيل قوة لا تقهر والهزيمة قدر.
بين تحولات السياسة والانقلابات الاستراتيجية نشأت صناعة الهزيمة في الوجدان العام، فـ«أكتوبر آخر الحروب»، و«لن نحارب بالنيابة عن الفلسطينيين والعرب لآخر جندي مصري»، كما تردد على نطاق واسع في الخطابين الإعلامي والسياسي. جرى تسطيح قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، وقضية الأمن القومي المصري الذي دافعت عنه قواتنا قبل أي شيء آخر. أُهدرت التضحيات الهائلة التي بُذلت في ميادين القتال، ونشأت طبقة جديدة وصفت في البداية بـ«القطط السمان»، لتساند السلام مع إسرائيل.
استشعر جيل كامل وهب حياته لقضية تحرير بلاده بقوة السلاح الخديعة، فقد حارب من أجل حلم ليستيقظ على كابوس.
كانت تلك الهزيمة الحقيقية، التي أرادوا إخفاءها وراء تكريس «عقدة يونيو» في الوجدان العام جيلاً بعد آخر.
جرى قطع الطريق على مراجعات جمال عبد الناصر بعد رحيله من أن تأخذ مداها في الانتقال من نظام «مقفول» إلى آخر مفتوح، ومسخ فكرة التعددية السياسية على نحو أفضى إلى إجهاض جوهر التجديد الديمقراطي في بنية نظام «يوليو».
وكانت تلك هزيمة أخرى أخفيت وراء قنابل دخان طلبت إنهاء أية إنجازات تحررية واجتماعية لثورة «يوليو».
رغم ذلك تظل مراجعات عبد الناصر بعد هزيمة «يونيو» ذات قيمة أخلاقية وسياسية لا تضارع في طلب التصحيح والتصويب ورد اعتبار الثورات.
* كاتب وصحافي مصري