ثلاث جامعات فرنسيّة رئيسية أعلنت، حتى الآن، رفضها تطبيق قرار الحكومة الفرنسيّة رفع رسوم الدراسة للطلاب الأجانب من غير الأوروبيين بدءاً من السنة 2019 - 2020. القرار الذي أعلنه رئيس الوزراء إدوارد فيليب في تشرين الثاني الماضي، لم يتحوّل إلى مرسوم نافذ بعد، ولم ينشر في الجريدة الرسمية، بل تجري دراسته في وزارة التعليم العالي. لكنه شكّل صدمة لعشرات آلاف الطلاب الذي يقصدون هذا البلد للدراسة، حيث تبقى كلفة التعليم - رغم ارتفاع كلفة المعيشة - أقلّ من غيرها من البلدان مثل بريطانيا والولايات المتحدة.

الجامعات الفرنسية الثلاث التي أعلنت عدم تطبيق القرار «أقلّه في العام المقبل» هي: كليرمون أوفيرن، لوميير ليون 2، وإيكس مارسيليا. واستندت في رفضها إلى مرسوم صادر في 2013 يتيح لكل جامعة إعفاء 10 في المئة من طلابها كحدّ أقصى من رسوم التسجيل، علماً أن هذه الكوتا لن تطبّق في 2019 بقرار من وزارة التعليم العالي. مما يعني أنه سيتاح لكل جامعة اتخاذ قرارها الخاص بشأن تطبيق القرار من عدمه، وأن لائحة الجامعات الرافضة للتطبيق قابلة للتوسّع. ونقلت صحيفة «فيغارو» أمس عن ماتياس برنارد، رئيس جامعة كليرمون، أنه «يمكن أن نغيّر رأينا في العام التالي»، واعتبر أن «قرار الزيادة الآن متسرّع، ولم تتمّ استشارتنا به». كما كرّر مجلس رؤساء الجامعات في بيان أصدره في 11 الجاري، المطالبة بـ«تعليق تطبيق قرار الزيادة». وتعقد السبت المقبل ندوة «ضد الزيادة» تضمّ عدداً من النقابات الطالبية ونقابات الأساتذة الجامعيين والمحامين وعلماء الاجتماع وسواها. وعلمت «الأخبار» أن النقابات الطالبية الرئيسية في فرنسا تحضّر لمظاهرة جديدة رافضة للقرار في 24 الجاري.
وتعدّ فرنسا الوجهة الأولى لطلاب الدراسات العليا اللبنانيين. إذ تضمّ أكبر «جالية» طلاب لبنانيين في الخارج «يفوق عددهم الخمسة آلاف بين متدربين وأساتذة وطلاب وحملة الجنسيّتين»، بحسب السفير اللبناني في باريس رامي عدوان . «الخيار الفرنسي» لهؤلاء سببه، إلى انخفاض الرسوم الجامعية، إجادة الفرنسيّة كلغة ثانية، ونظام الـLMD المعمول به في لبنان، فضلاً عن العدد الكبير لخريجي المدارس التي تعتمد برامج فرنسية والشراكات العلميّة للجامعة اللبنانية مع فرنسا. وأبرز المتضرّرين من رفع الرسوم هم طلاب الجامعة اللبنانية التي خفّضت منحها إلى فرنسا بعدما تمتّعت لسنوات بـ «حصّة الأسد» من المنح الفرنسية. لذلك يطمح هؤلاء الى «تحرّك رسمي» لدى الحكومة الفرنسية، والاستفادة من العلاقات الطيبة بين البلدين لاستثناء الطلاب اللبنانيين من القرار. وهو ما بدأه عدوان. إذ زار الطلاب اللبنانيين في عدد من الجامعات الفرنسية، والتقى وزيرة التعليم العالي والبحث والابتكار فردريك فيدال وعميد أكاديمية باريس في مجلس الوزراء جيل بيكو وغيرهما للبحث في «النظر إلى لبنان بشكل مختلف كونه دولة مؤسِّسة للفرنكوفونية ودعم الطلاب لتشجيعهم على التعلّم في فرنسا». السفير اللبناني أكّد في اتصال مع «الأخبار» أن «إمكانية استثناء اللبنانيين من القرار غير واردة لدى الجانب الفرنسي». لكنه لفت، في المقابل، إلى «إمكان الاستفادة من العلاقات المتبادلة بين البلدين للسعي إلى الحصول على عدد أكبر من المنح وتبادل المزيد من الطلاب، والتواصل مع رؤساء الجامعات الذين أصبحوا يتمتّعون باستقلاليّة أكبر في إعطاء المنح». وأشار إلى أن على لبنان الذي ستكون عاصمته مقرّاً إقليمياً للمنظمة الفرنكوفونية في الشرق الأوسط، مطالبة الدولة الفرنسية بـ«تخصيص قسم من المساعدات الموعودة للبنان من مؤتمر سيدر لتطوير التعليم العالي والتدريب في الخارج للبنانيين».

تضم فرنسا أكبر «جالية» طلاب لبنانيين في الخارج وعددهم يفوق الخمسة آلاف


البحث في وضع القرار موضع التنفيذ بدأ هذا الشهر مع تكليف وزيرة التعليم العالي خمسة مستشارين درس الملف وكيفية تطبيقه وسبل قبوله من الطلاب في حال إقراره. في حين تتكثف اللقاءات داخل الوزارة مع رؤساء الجامعات ومنسقين عن الطلاب والجمعيات الطلابية و«المجلس الوطني للتعليم العالي والبحث». المشاركون في الاستشارات من المعترضين يسعون، «بأمل ضئيل»، إلى تأجيل تنفيذ القرار عاماً إضافياً أو إدخال تعديلات عليه.
علي فولادكار، عضو المجلس الوطني للتعليم العالي والبحث ومؤسِّس شبكة «FLAP» للتوجيه العلمي والأكاديمي والمهني للطلاب في فرنسا، لفت إلى «أن التجمّعات الطالبيّة بدأت تبحث في كيفية مساعدة الطلاب في حال إقرار القانون». وقال إن الشبكة بدأت تنشر بالتعاون مع تجمّعات أخرى (مثل Aquicèdre) لوائح بـ«الجهات التي تعطي منح التفوّق وبأسماء الجامعات التي تعطي منحاً للطلاب الأجانب، والجامعات التي لن تطبق قرار الزيادة». وشدّد على أن الطلاب اللبنانيّين «يشكلون حضوراً لافتاً في مختلف الجامعات الفرنسية، وتربطهم علاقات جيّدة بها، وعليهم أن يسخّروها لحثّ هذه الجامعات على إعفاء الطلاب اللبنانيين»، مشيراً إلى أنه إضافة إلى الجامعات الثلاث التي أعلنت رفضها للقرار بشكل «رسمي»، فإن جامعة غرينوبل، مثلاً، «اتخذت قراراً داخلياً بإعفاء الطلاب الأجانب وأبلغت الوزارة به».

الزيادة سياسة «جذب»!
المفارقة أن زيادة رسوم التسجيل تأتي في إطار استراتيجية «أهلاً بكم في فرنسا» (Bienvenue en France)، الهادفة إلى رفع عدد الطلاب الأجانب إلى نصف مليون سنوياً بحلول 2027. وترافق القرار مع سلسلة «إجراءات جاذبة» أعلن عنها رئيس الوزراء الفرنسي، منها: تحسين سياسة التأشيرات وشروط الإقامة بعد إنهاء الدراسة، ورفع عدد المنح الجامعية إلى 22 ألف منحة (7 آلاف حالياً)، وتمويل المنح الدراسية للأقل حظاً والأكثر استحقاقاً عبر فرض رسوم على الطلاب الأجانب الذين تسمح أوضاعهم المادية بذلك.
لكن هذه الأسباب «الوردية» المُعلنة للزيادة تأتي في وقت تواجه حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحديّات اقتصادية أدّت الى تظاهرات «السترات الصفر»، وفي وقت تسعى إلى تخفيف العجز وترشيد الإنفاق. وهذا ما لفت اليه رئيس الحكومة الفرنسية بإشارته الى أن الزيادات المقترحة تمثل «ثلث الكلفة الحقيقية» للطالب الأجنبي التي تتكبّدها المالية العامة. ولفت الى «أننا لا نزال بعيدين عن 8 آلاف إلى 13 ألف يورو التي يعتمدها جيراننا الهولنديون، وعشرات آلاف الجنيهات في بريطانيا ومعظم الدول الأوروبية وأميركا الشمالية».

سفير لبنان في باريس: لا استثناء للبنانيين من قرار رفع الرسوم

علماً أن دراسة أعدتها شركة الأبحاث والاستشارات «BVA» لصالح Campus France بيّنت أن الطلاب الأجانب الذين يقضون ما معدّله سنتان وثلاثة أشهر على الأراضي الفرنسية يضخّون في الدورة الاقتصادية 4.65 مليار يورو (الطعام والإيجارات وتذاكر السفر...) ولا يكلّفون الدولة سوى 3 مليارات يورو.
ومن الأوجه الأخرى للقرار تنامي أعداد المهاجرين، والتحديّات في القطاع التعليمي التي يتصدّرها «تحرير» الجامعات. إذ تحاول فرنسا تطبيق سياسة «الاستقلال التنظيمي والمالي والبشري والأكاديمي» في جامعاتها كونها متأخرة عن باقي الدول الأوروبية في هذا المجال (وفق تقييم رابطة الجامعات الأوروبية EUA). ذلك كلّه، يُضاف إليه تراجع فرنسا من المركز الثالث إلى الرابع لصالح أوستراليا كوجهة للطلاب حول العالم. هذا التبرير اعتمدته الوزيرة فيدال في رسالة وجّهتها إلى المدراء ورؤساء الجامعات، ذكرت فيها أن «فرنسا هي البلد الرابع في استقطاب الطلاب، إنما ليست بين الدول العشرين التي تحقق نمواً منذ سنوات في هذا المجال، على عكس بلدان أخرى مثل الصين وتركيا والسعودية التي تظهر بنجاح طموحات جديدة لا سيّما في أفريقيا الفرنكوفونية والانغلوساكسونية على السواء». نمو التنين الصيني وجه آخر من أوجه القرار بحسب متابعين، إذ أن الطلاب الصينيّين في فرنسا باتوا يشكّلون أكبر «جالية طالبية» وارتفع معهم الطلب على تعلّم اللغة الصينيّة في فرنسا، «وهو أمر تودّ باريس الحدّ منه».



الطلاب اللبنانيون في فرنسا
عام 2009 بلغ عدد الطلاب اللبنانيين في فرنسا 5254 طالباً. في 2014، بحسب أرقام الـ«أونيسكو»، تراجع 28.6% إلى 3749، علماً أن هذه الأرقام لا تشمل من يملكون الجنسية الفرنسيّة. في العام 2015-2016 وصل العدد إلى 5168 طالباً من بينهم 3763 مسجلون في الجامعات، بحسب أرقام وزارة التعليم العالي والبحث والابتكار الفرنسية. وفي العام الدراسي التالي (2016-2017) كان العدد 3904 طلاب، فيما بلغ العدد العام الماضي (2017-2018) 3992 طالباً من أصل 240252 طالباً أجنبياً على الأراضي الفرنسية (بينهم 45 ألفاً من الاتحاد الأوروبي لا تشملهم الزيادات المطروحة).
من الجانب اللبناني «لا أرقام مفصّلة» بشأن أعداد طلاب الدراسات العليا اللبنانيين لهذا العام في فرنسا، وأعداد من حصلوا على منح دراسية، لاعتبارات مختلفة منها أن العديد من الطلاب يلجأون إلى تقديم طلبات منح «أونلاين» أو عبر المركز الثقافي الفرنسي، كما أن كثيرين لا يلجأون إلى معادلة شهاداتهم في وزارة التربية.


زيادة صاروخية
تلامس الزيادة على الرسوم 15 ضعفاً تلك المعمول بها. إذ يدفع الطلاب الأجانب حالياً الرسوم ذاتها التي يدفعها الطلاب الفرنسيون، أي 170 يورو سنويا لدراسة الإجازة و243 يورو للماستر، و380 يورو للدكتوراه. ولكن، بداية من السنة الجامعية المقبلة، سيكون على هؤلاء دفع 2770 يورو للإجازة و3770 يورو للماجستير والدكتوراه. الزيادة «لن تشمل الطلاب من دول الاتحاد الأوروبي، والمنطقة الاقتصادية الأوروبية، وسويسرا ومقاطعة كيبك الكندية، والطلاب الذين يعيشون في فرنسا منذ سنوات ويساهمون عبر دفع الضرائب بتمويل التعليم العالي لدينا» بحسب وزيرة التعليم العالي والبحث والابتكار فريديريك فيدال.


استثناء الباحثين؟
«لا وضوح» بشأن الزيادة المرتقبة على طلاب الدكتوراه الأجانب في الجامعات الفرنسية. بعد أن كان البحث يدور حول إمكانية إعفاء طلاب الدكتوراه الذين يملكون عقود عمل في فرنسا من الزيادة، سُحب الموضوع من التداول لعدم إحداث بلبلة لدى من لا يملكون عقود عمل. لكن الأكيد «أن رسوم التسجيل المعمول بها حالياً ستستمرّ إلى أيار المقبل إذ لا يزال بعض الجامعات يفتح باب التسجيل في الدكتوراه حتى الشهر الخامس» بحسب عضو لجنة متابعة طلاب الـLMD في فرنسا علي فولادكار.
اعتراض الجامعات الفرنسية على زيادة الأقساط على طلاب الدكتوراه، يعود إلى أن 40 في المئة من الباحثين في فرنسا أجانب، وللأمر انعكاس «سلبي» على استقطاب الأدمغة وعلى استمراريّة اختصاصات مستحدثة في فرنسا لدراسة حضارات وفنون غيرها من البلدان.
ووفق آخر تقرير للعام 2018 نشرته Campus France (الموقع الرسمي للترويج للنظام التعليمي في فرنسا برعاية وزارتي الخارجية والتعليم العالي) فإن لبنان كان الدولة الخامسة من أصل أول 20 بلداً لطلاب الدكتوراه الأجانب في فرنسا مع 1399 طالب دكتوراه في السنة الدراسية 2016- 2017.