كلام وزير خارجية الفاتيكان، أمام الوفد البرلماني اللبناني في 21 تشرين الثاني، أنّ «المجتمع الدولي» برّمته ضدّ عودة النازحين السوريين إلى وطنهم، لم يكن «سرّاً» أفشاه المونسنيور بول ريتشارد غالاغر، بل واقعٌ مفروض على لبنان منذ سنوات. ورقة «اللجوء السوري»، هي أداة رئيسية يستغلّها اللاعبون الرئيسيون، دولياً وإقليمياً، في سياق حربهم ضدّ دولة سوريا. ويُراد أن يكون لبنان، ساحةً سهلة يتمكنون فيها من تنفيذ أجندتهم، وفرض توطين النازحين السوريين فيها. المعركة التي يخوضها لبنان، في هذا الملّف، استراتيجية وتحمل طابعاً وجودياً. ولكنّ الدولة اللبنانية، وكعادتها، لا تذهب إلى مواجهة مع «المجتمع الدولي» بجسمٍ موحّد، يُساعدها في تقديم موقف قوي. بل إنّ الجهة الرسمية الوحيدة التي تخوض المعركة، هي وزارة الخارجية والمغتربين، مدعومةً من العهد الرئاسي والقوى السياسية الحليفة. في حين لا يزال فريق رئاسة الحكومة، عبر وزير الدولة لشؤون النازحين معين المرعبي، يتحدّث اللغة التي تُناسب «المجتمع الدولي»، مُقدّماً للأخير الحجج اللازمة من أجل أن لا يأخذ بملاحظات ومطالب «الخارجية». وأسوأ من ذلك، لا يجد وزير تيار المستقبل رادعاً في «الوشاية» على «زميله» الوزير جبران باسيل، حين قال مثلاً في 13 تشرين الثاني الماضي خلال مؤتمر صحافي، إنّ «دور مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مخطوف من قبل وزير الخارجية، الذي يشنّ معارك دونكيشوتية ضدها». إضافةً إلى حديث المرعبي إلى «وكالة أسوشيتد برس»، في 27 تشرين الثاني، وادعائه بأنّ «20 لاجئاً سورياً قتلوا منذ أن بدأ اللاجئون في العودة من لبنان في حزيران الماضي»، الأمر الذي من شأنه أن يقدّم ذريعة للقوى الرافضة لعودة النازحين.

على رغم هذا الانقسام، تستمر فصول المواجهة بين «الخارجية» اللبنانية من جهة، و«المجتمع الدولي» من جهة أخرى. وبعد الخلاف مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حول مقاربتها لملّف النازحين، وسياسة التخويف التي كانت تعتمدها مع الراغبين في العودة إلى بلدهم، وما استتبعه من إجراءات «دفاعية» من قبل «الخارجية»، انتقلت المواجهة إلى ساحة الأمم المتحدة. فالأخيرة تُناقش حالياً أوراقاً عدّة، من أجل إصدار وثيقة لتوطين النازحين في البلدان المضيفة أو إعادة توطينهم في بلدان أخرى. الأوراق التي تستعرضها «الأمم المتحدة»، تُغيّب الحديث عن عودة آمنة للنازحين إلى سوريا، ولا تذكر سوى «العودة الطوعية». نوايا «المجتمع الدولي» ليست سرية، ولا جديدة. مفوضية اللاجئين تعلن صراحة على موقعها الإلكتروني أنها «لا تشجع أو تسهل عودة اللاجئين إلى سوريا في الوقت الراهن». وفي حزيران الماضي، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، إنّ «اللاجئين بحاجة إلى أن يتمّ شملهم في مجتمعات جديدة، وأن يحصلوا على فرصة الاستفادة من إمكانياتهم (…) على أن يعودوا إلى ديارهم، عندما يكون الوقت مناسباً، أو في بناء حياة جديدة في أماكن أخرى». وتُقدّم المفوضية كلّ التسهيلات المادية اللازمة من أجل إبقاء اللاجئين السوريين في لبنان، عن طريق دفع مبالغ نقدية مُباشرةً لهم. وهي تسويق لهذا المشروع على موقعها الإلكتروني. شريك الـ«UNHCR» في المشروع، هو الصندوق الائتماني للاتحاد الأوروبي، الذي يُحاول تمرير مشروع «دعم للفئات الضعيفة من اللاجئين والمجتمعات المضيفة»، الذي يعتمد أيضاً مبدأ العينات النقدية المُباشرة. أما البنك الدولي، «فيبتزّ» المجتمعات المضيفة بحاجاتها إلى دعمٍ مادي. فيُقرضها الأموال مقابل تنفيذ مشاريع تُثبّت النازحين في هذه البلدان التي يرد ذكر لبنان في مقدمها.
في نقاشاتها الجديدة، تُحاول الأمم المتحدة «شرعنة» بقاء النازحين السوريين خارج بلدهم، وفرض التوطين من خلال التركيز على أهمية اندماج النازحين في البلدان المضيفة. تعي «الخارجية» جيداً المُخطط الذي يُحضّر، وسيكون الشعب السوري أولاً، ولبنان ثانياً، أبرز «ضحاياه». انطلاقاً من هنا، تُفهم كلمة باسيل في مؤتمر مراكش قبل يومين، حين أكّد أنّ «الحلّ الوحيد للنزوح الجماعي هو في العودة الآمنة والكريمة والمستدامة والممرحلة للنازحين السوريين إلى بلادهم، وكل حلّ آخر سوف يُبقي الخنجر في قلب لبنان والسكين على أعناقكم. سوريا اليوم آمنة بمعظمها والسوريون بمعظمهم يريدون العودة إن ساعدناهم، وخصّصنا لهم أمولاً لتشجيعهم على العودة إلى بلداتهم، وليس لبقائهم في بؤسهم. الفرصة متاحة ويجب التخلي عن أجندات سياسية لن تتحقق بربط العودة».
يُضاف إلى الحراك السياسي لباسيل، خطّة عمل وضعتها وزارة الخارجية والمغتربين، من أجل تسريع عودة النازحين إلى بلدهم، «ونحاول تسويقها مع الدول الأوروبية، ولا سيّما بلدان أوروبا الشرقية»، بحسب مصادر في الوزارة. ويواكب الأخيرة في جهودها، بعثة لبنان الدائمة أمام الأمم المتحدة في جنيف، برئاسة السفير سليم بدورة، التي تُناقش الأمر أيضاً مع كلّ من الأردن وتركيا. تُشجع «الخطة» النازحين على العودة الطوعية إلى المناطق الآمنة في سوريا، «وهي كثيرة وفيها كلّ مقومات الحياة الأساسية، من كهرباء وبنى تحتية وغيره». أما النازحون الذين يسكنون في مخيمات، «فبإمكانهم أن يعودوا إلى بلدهم حتى لو كانت بيوتهم مُدمرة، ويُشاركوا في إعادة الإعمار». أما الذين هربوا من سوريا لأسباب سياسية، فـ«نتفهّم ظروفهم، ولكن واحداً من الحلول قد يكون في سفرهم إلى دولة ثالثة». لا شكّ في أنّ لبنان استقبل عدداً من النازحين السوريين، يفوق قدرته الاستيعابية. إلا أنّ ذلك، لا يعني السماح لتسلّل خطاب يُقدّم النازحين كـ«وباء» يجب التخلّص منه حتى ولو لم يكن باتجاه بلدهم، وفي تحميلهم وزر الأعباء الاقتصادية التي تُسيطر على البلد. أولاً، من الناحية «الأخلاقية»، لبنان معني في الوقوف مع سوريا في الضرّاء. هي الجار الأقرب إلينا، والمُتنفس الاقتصادي والاجتماعي الوحيد. كما أنّه من الضروري التذكير، كيف أنّ سوريا التي يتسابق اللبنانيون للاستفادة من إعادة إعمارها، فتحت أبوابها أمام النازحين في الحروب التي وقعت في لبنان وعليه، فضلاً عن دورها الداعم للتصدّي للعدوان الإسرائيلي. وثانياً، من الناحية الاقتصادية، وجود النازحين ساهم في اجتذاب قرابة الـ 9 مليارات دولار من المساعدات، ساهمت في دعم ميزان المدفوعات، خلافاً لكلّ الدعايات التي تُحمّل الوجود السوري مسؤولية انهيار الاقتصاد اللبناني. تردّ مصادر «الخارجية» بأنّه «لا نريد ترحيل الجميع دفعةً واحدة، بل تصاعدياً، كما يحصل الآن مع الإجراءات التي يقوم بها الأمن العام. وعلينا مسؤولية أن نتكلم مع الجهات السورية المعنية، من أجل تقديم الضمانات اللازمة».

وجود النازحين ساهم في اجتذاب قرابة 9 مليارات دولار من المساعدات إلى لبنان


يُحاول المسؤولون في «الخارجية»، عبر خطّتهم، إقناع المنظمات الدولية بأنّها «ستُصاب بعد سنة أو سنتين، بما يُسمّى «تعب المتبرّعين». وبالتالي، ستكون هذه المنظمات منهكة من دفع الأموال النقدية مباشرة ومن قيمتها الكبيرة. ولكن إذا وظّفت هذه الأموال في سوريا، فبإمكانها مُساعدة عدد أكبر بقيمة أقلّ». الحجة التي يُقدّمها المسؤولون لا تتطابق مع الواقع. فدفع الأموال للنازحين في بلدان اللجوء، جزء من المعركة السياسية لإبقائهم خارج سوريا، وبالتالي لن يُشكّل ذلك أزمة للمنظمات الدولية، مهما طال الأمر. ولكن المشكلة التي تواجه هذه الخطة، وتُعرقل تحولها إلى مبادرة فعلية، هي «غياب التمويل اللازم لها، وعدم تشجّع الدول التي تواصلنا معها في دفع المال، لغياب وجود مسار جدّي لإعادة النازحين»، أما السبب الثاني، فهو «طلب انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في إدلب». على رغم «العقبات» أمام لبنان، تؤكد المصادر «وجود تجاوب من قبل بعض الدول مع هذه الأفكار، وسنستمر في الضغوط لمواجهة المشاريع الغربية».



بعثات ديبلوماسية لا تلتزم توجيهات الوزارة!
مشكلة وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل في التعامل مع ملف النازحين السوريين لا تقتصر على الفريق السياسي الموالي لـ«الغرب» والملتزم بسياسة إبقاء اللاجئين في لبنان، بل تصل أيضاً إلى بعض البعثات الديبلوماسية اللبنانية، «والتي لم تكن مواقفها مواكبة لسقف الوزير المرتفع»، بحسب ديبلوماسيين مُطلعين على الملّف. «الاتهامات» تطاول تحديداً بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة (في نيويورك)، «لا سيّما بعد أن تمّ اكتشاف أنّه، وخلال العام 2015، شارك لبنان في اجتماعات للتوصل إلى اتفاق دولي جديد في ما خصّ النازحين، من دون أن يكون له رأي يُعبّر عن تشديد لبنان على العودة الآمنة، لا الطوعية وحسب». ويزيد الديبلوماسيون بأنّه «نشهد راهناً جدّية لبنانية، من قبل الخارجية، في التعامل مع الوضع. لو حصل ذلك، منذ الـ2014، لكان الوضع أفضل». تُحاول مصادر «الخارجية» تلطيف الأمر بالقول إنّه «خلال المرحلة الماضية، لم يكن هناك رئيس للجمهورية، ما سمح بحصول مثل هذه التجاوزات». لكن حالياً، «ثمة التزام في البعثات بتعليمات باسيل، فيما يتولّى هو التصعيد السياسي».