عندما انتهت عقود شركات مقدّمي الخدمات الكهربائية (التوزيع والجباية)، لم يلتفت أحد إلى تقييم هذا النموذج، ومعرفة مدى نجاحه وأهمية استمراره. كان التركيز منصبّاً على أماكن أخرى: كيفية تحصين الحصص السياسية. كان التمديد لشركتي KVA وBUS سريعاً، وبالتالي حصل التيار الوطني الحر وتيار المستقبل على مرادهما، طالما أن مصالحهما محفوظة. إلا أن التمديد لشركة NEUC (دباس) خضع لأخذ ورد لفترة طويلة، ولم يُحسم إلا بعد حصول حركة أمل على مرادها، هي الأخرى، فقرر مجلس الوزراء اقتطاع الجنوب من منطقة عمل «دباس»، وتلزيمها إلى شركة رابعة، بطريقة ملتوية ومن دون أي مناقصات أو استدراجات للعروض أو حتى من دون اتفاقات رضائية.

قرر مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة في 12/10/2017، تمديد عقدي شركتي BUS وKVA لتقديم خدمات التوزيع والصيانة والجباية لمؤسسة كهرباء لبنان، في مناطق جبل لبنان الشمالي والشمال ومناطق بيروت والبقاع. واستثنى هذا القرار الشركة الثالثة NEUC (مجموعة دباس)، الملتزمة مناطق جبل لبنان الجنوبي والجنوب والنبطية، إلى أن اتخذ مجلس الوزراء قراراً جديداً - قبل تحوّله إلى تصريف الأعمال مباشرة، في جلسته المنعقدة في 26/4/2018 - قضى بالتمديد للشركة، ولكن بعد إجبارها على التنازل عن مناطق الجنوب والنبطية وتلزيمها «من الباطن» إلى شركة «مراد». بين القرارين، حُرم 880 عاملاً من أجورهم وتم طرد 800 منهم، وبقيت كل المناطق التي تلتزمها شركة NEUC من دون خدمات، فتزايدت الأعطال والتقنين وتوقفت الجباية، وصار الوضع أكثر سوءاً مما هو عادة، ما اضطر حزب الله للتدخل وتأمين الصيانة الضرورية في الضاحية الجنوبية، في حين تولت بعض البلديات الكبرى في الجنوب والنبطية هذه المهمّة. أمّا في مناطق الشوف وعالية، فقد اضطر النائب السابق وليد جنبلاط إلى تسديد نصف أجر لنحو 250 عاملاً محسوبين عليهم عشية الانتخابات النيابية، وفق المعلومات المتداولة.
نص القرار الأخير على تمديد عقد شركة NEUC مع مؤسسة كهرباء لبنان بمفعول رجعي، من 1/1/2018 حتى 31/12/2021، أسوة بشركتي BUS وKVA. كما يطلب من المؤسسة تسديد «مستحقات» الشركة من الفترة من أول عام 2018 وحتى تاريخه (نهاية نيسان). علماً أن الشركة في هذا الوقت كانت متوقفة عن العمل كلياً، ولم تكن تقدّم أي فواتير، ما يعني أن ليس لها في ذمة المؤسسة أي مستحقات عن هذه الفترة المذكورة في القرار! كما نص القرار حرفياً على إلزام الشركة بـ«إسناد الخدمات في محافظتي الجنوب والنبطية إلى ملتزم ثانوي لديها، شركة مراد (...) على أن يتم تقديم فواتير مستقلة بالخدمات المقدمة من شركة مراد بشكل منفصل عن تلك المقدمة من شركة NEUC».
هذا القرار بدا صادماً للكثير من خبراء القانون، كما للبعض في مؤسسة كهرباء لبنان، انطلاقاً من كونه يشكل مخالفة قانونية صريحة. فشركة مصطفى مراد ليست طرفاً متعاقداً مع المؤسسة بل مع شركة NEUC، وبالتالي هي ليست مسؤولة أمام المؤسسة. إلا أن قرار مجلس الوزراء منحها كل صفات «المتعاقد الأصلي» من دون أي مناقصة أو استدراج عروض أو اتفاق رضائي، وفق ما تفرضه أحكام قانون المحاسبة العمومية ونظام مؤسسة كهرباء لبنان. فالمؤسسة لن تدفع الفواتير مباشرة لشركة مراد بل ستقوم أيضاً بتقييمها وتطبيق مؤشرات الأداء لها بشكل منفصل عن الملتزم الرئيسي. وهذا يعني ببساطة أن عدد شركات مقدمي الخدمات المتعاقدة مع مؤسسة كهرباء لبنان صار أربع شركات وليس ثلاثاً، وهذا يعني أن شركة مراد وُهبت عقداً بقيمة تصل إلى 132 مليون دولار، هكذا من دون أي شيء.

شركة مراد حصلت على عقد بقيمة 132 مليون دولار بلا مناقصة وبلا عقد رضائي


مرّ القرار من دون أي اعتراض، وبرره مجلس الوزراء أنه جاء بناءً على «كتاب وجهته شركة NEUC إلى وزارة الطاقة والمياه في 5/2/2018»، أي بعد 3 أشهر من قرار التمديد لشركتي BUS وkva. ما يعني أنه كان وليد مفاوضات وضغوط استغرقت أشهراً، وجرى تمريره من ضمن صفقات الأيام الأخيرة، التي عج بها جدول أعمال مجلس الوزراء قبيل تحوله إلى تصريف الأعمال. لكن هذه الصفقة طرحت أكثر من علامة استفهام عن المسار الذي قاد إلى هذه النتيجة.
في حينه، ترددت معلومات أن مجلس الوزراء عمد إلى إنقاذ «مجموعة دباس» الغارقة في الديون، وتخفيف الأعباء عن كاهلها، إلا أن القرار حصر عملها بمنطقة جبل لبنان الجنوبي، بدلاً من منطقة كبيرة تمتد إلى الجنوب والنبطية. علماً أن الطلب من مؤسسة كهرباء لبنان تسديد مستحقات لها «ليست مستحقة» هو بمثابة «التعويض». لكن في المقابل، ثمة من يجزم بأن القرار لا علاقة له بتعويم «دباس»، إنما بإصرار حركة أمل على اقتطاع دوائر محافظتي الجنوب والنبطية لمصلحة شركة محسوبة عليها.
يبني أصحاب هذا الرأي على ما حدث خلال الفترة الماضية، من عام 2016 حتى تاريخ تمديد العقد.
في ذلك العام، وتحديداً في شهر كانون الأول، وقّعت الشركة مذكرة تفاهم مع مؤسسة كهرباء لبنان لتمديد العقد لأربع سنوات، على أن تحصل المؤسسة خلال شهر على الموافقات المطلوبة، ولا سيما موافقة كل من وزارتي الطاقة والمال. وبالفعل، وافقت وزارة الطاقة على التمديد، إلا أن المفاجأة كانت بالنسبة إلى الشركة برفض وزارة المال التمديد، واقتراحها عرض الأمر على مجلس الوزراء. كانت تلك الإشارة الرسمية الأولى إلى أن حركة أمل «ليست راضية على دباس» وتريد إخراج الشركة من مناطق نفوذها. نام الملف أشهراً طويلة، إلى أن طرح على مجلس الوزراء في حزيران 2017. حينها، شكلت لجنة وزارية لمتابعة ملف شركات مقدمي الخدمات. وفي الوقت نفسه بدأت تتسرب إلى الشركة معلومات تشير إلى أن التجديد لها ممنوع، قبل أن يتبين لها أن سقف اعتراض حركة أمل انخفض، فصار الفيتو محصوراً برفض عملها في الجنوب. بالنسبة إلى الشركة، لم يكن هذا الفيتو مفهوماً، إذ «إما أنها جيدة في كل المناطق، وبالتالي يفترض التمديد لها بناءً على العقد القائم، أو أنها فشلت في عملها، وهو ما يحتم عدم التجديد لها بالمطلق».
في المحصلة، وبعد اجتماعات عدة، قررت اللجنة الوزارية في نهاية أيلول 2017 التمديد لشركتي KVA وBUS، مع تكليف وزير الطاقة بالتفاوض مع شركة NEUC لتمديد عقدها، لكن عنوان المفاوضات حينها، كان: التجديد ممكن، لكن ليس في الجنوب.
وبالفعل، طرح الأمر على جدول أعمال مجلس الوزراء، في تشرين الأول، وأقر اقتراح اللجنة تمديد عقد شركتي KVA وBUS حتى عام 2021، فيما كانت المفاوضات قد انطلقت لإيجاد مستثمر يحل محل NEUS. وبالفعل، جرت مفاوضات مع عدد من المستثمرين للحلول مكانها، أبرزهم كان النائب نعمة طعمة، الذي قطعت المفاوضات معه شوطاً كبيراً، قبل أن يغض الطرف عن الموضوع، بالتزامن مع خطف الرئيس سعد الحريري وعملية احتجاز عدد كبير من رجال الأعمال السعوديين، التي أدت إلى زيادة قلق المستثمرين، وبخاصة العاملين في السعودية، من خضات مالية كبيرة.

تخبّط سياسي
سريعاً، دخلت شركة NEUS في موت سريري، بعد الفشل في إيجاد مستثمر يحل محلها في كامل المنطقة الثالثة (10 دوائر في الجنوب و5 في جبل لبنان الجنوبي، ومنها دائرة الشياح) أو في الجنوب فقط، كانت نتيجته الأولى التخلي عن 800 موظف من أصل 880، وبدء التحضير لكل الاحتمالات، وأبرزها إغلاق الشركة. في تلك الفترة، وبينما كان الخلاف مستمراً بين وزيرَي الطاقة والمال، بحيث يريد الأول التمديد للشركة ويرفض الثاني ذلك، تردد أن جلسة 27 كانون الأول 2017 ستشهد الاتفاق على التمديد لها في كل المناطق. لكن سرعان ما برزت قضية مرسوم ضباط 1994، الذي أعاد التوتر بين أمل والتيار الوطني الحر، وأدى إلى سحب التمديد من مجلس الوزراء، وقضى على آمال الشركة باستعادة توازنها المالي. وبعد ثلاثة أيام، أي في الثلاثين من كانون الأول، أرسلت الشركة كتاباً إلى مؤسسة الكهرباء، تشير فيه إلى أن اليوم الذي يلي هو آخر يوم لها بحسب العقد، طالبة من المؤسسة تسلّم القطاع.
لم يردّ أحد على الشركة حينها (ولا لاحقاً). وفي السياسة، كان الخلاف يتفاقم بين «أمل» و«التيار» على خلفية تسريب كلمة للوزير جبران باسيل، في أواخر كانون الثاني 2018، يصف فيها الرئيس نبيه بري بالبلطجي. وفيما كانت «دباس» قد بدأت بالتحضير للإغلاق، جاءها طلب مفاده: ادخلوا بمفاوضات مع شركة مراد. ثم طُلب من الشركة إرسال كتاب إلى مؤسسة كهرباء لبنان تشير فيه إلى أنه في حال التمديد لها، فإنها ستلزّم العمل في منطقة الجنوب إلى شركة مراد.
شركة «مراد للصناعة والتجارة والمقاولات»، هي عبارة عن شركة تعهدات صغيرة، غير مصنّفة ولا يتجاوز عدد موظفيها أصابع اليدين. كان الحديث حينها يتركّز على أن تدخل شركة مراد بشراكة مع شركة KVA لتسلّم منطقة الجنوب، عبر عقد تلزيم بالتراضي، قبل أن يتبين أن ذلك مستحيل قانوناً ويعرّض القرار للطعن، فأقفل الملف مرة جديدة. وعلى الأثر، توقفت الجباية في مناطق عمل «دباس»، وأوقفت إيجار بعض الدوائر، من دون أن تتمكن من إخلائها، لأن كهرباء لبنان لم توافق على تسلّم القطاع. كما ازداد انقطاع التيار الكهربائي نتيجة توقف أعمال الصيانة.
بسحر ساحر، صدر القرار الوزاري الذي ينص على التمديد لـ«دباس» لأربع سنوات، في 26 نيسان، مع اشتراط تخليه عن منطقة الجنوب لمصلحة شركة مراد. مصادر الشركة تؤكد أنها تبلغت بوجهة مجلس الوزراء قبل يومين، وعند إقراره استغربت الإشارة إلى الموافقة على انضمام شركة مراد إلى القطاع بصفته ملتزماً ثانياً، بناء على طلبها. لكن سرعان ما تبين أن بناء مجلس الوزراء على طلب الشركة يعود إلى الكتاب الذي أرسلته إلى كهرباء لبنان، في شباط، والذي كان سياقه مختلفاً عما صدر في نيسان.
عملياً، لم يكن أحد في وارد ترك شركة NEUC تنهار أو تعلن إفلاسها، فلهذه الخطوة تداعياتها الكبيرة، أولها على مجموعة دباس، التي تضم نحو 3000 موظف، والتي كانت معرضة للانهيار إذا خسرت مشروعاً بقيمة 322 مليون دولار، وثانيها على الدائنين، الذين لهم في ذمة الشركة نحو 80 مليون دولار. وأبرزهم: فرنسبنك (30 مليون دولار)، بنك الموارد (15 مليون دولار)، متعهدون معظمهم مقربون من حركة أمل (10 ملايين دولار) وكابلات لبنان.
حصل التمديد في النهاية، وقرر مجلس الوزراء تقديم تعويض للشركة على شكل مستحقات. لكن عند التطبيق، واجهت المفاوضات إشكالية مرتبطة بعدم إنجازها أشغالاً خلال عام 2018. وبحسب العقد، فإنه لا أموال بدون فواتير. ومع ذلك، فقد طالبت بما بين 10 و12 مليون دولار هي بدل رواتب الموظفين ومطالبات أخرى (أعباء إدارية وإيجارات...). لم توافق مؤسسة كهرباء لبنان أن تدفع سوى رواتب الموظفين (أعادت الشركة الموظفين الذين تخلت عنهم في نهاية 2017)، والتي قدرت بنحو 7 ملايين دولار، وهكذا كان.

حزب الله وأمل تكفّلا بصيانة الشبكة في نطاق «دباس» لخمسة أشهر... وجنبلاط دفع جزءاً من الرواتب


في 19 حزيران، وصل قرار مجلس الوزراء إلى الشركة، لكنها كانت قد بدأت منذ أيار التفاوض مع «مراد» على القسمة. وفي تموز بدأت عملية التسليم والتسلم، فتسلمت شركة مراد الدوائر العشر في الجنوب (تسلمت آخر دائرة في 31 تموز)، والتي تضم نحو 270 ألف مشترك، وبقي لدباس 5 دوائر من المنطقة الثالثة، حدودها من الجناح إلى المديرج، وجنوباً حتى نهر الأولي، وتضم 370 ألف مشترك (من بينها 250 ألف مشترك في دائرة الشياح التي تضم الضاحية الجنوبية). أما في شأن الموظفين، فقد انضم منهم 500 موظف كانوا يعملون في منطقة الجنوب إلى شركة مراد، وبقي للشركة نحو 550 موظفاً (بعدما استردت دوائر الجبل التي كانت تلتزمها من الباطن شركة يملكها رياض الأسعد). لكن، هل عادت الشركة إلى العمل؟ تؤكد المديرة العامة للشركة كارلا عون أن الأمور وضعت على السكة، ومعاملات الزبائن عادت لتنفذ، فيما المشاريع الاستثمارية انطلقت مجدداً، واعدة أنه بحلول منتصف الشهر المقبل، تكون الشركة قد عادت إلى العمل بشكل طبيعي، بعد 8 أشهر تأخير، سببها تأخر التجديد ثم عمليات التسليم والتسلم مع «مراد». كما تؤكد عون أن عملية اختبار العدادات الذكية شارفت على النهاية، ويُفترض أن تبدأ في بداية 2019 عمليات تركيب المحطات الخاصة.

«مشروع فاشل»
بعيداً عن وعود الشركة والصراعات حولها، بدا أن الهم لدى السلطة السياسية، منذ البداية، هو تمديد المشروع لا تقييمه، وإعادة توزيع الحصص فيه لا معرفة مدى نجاحه أو فشله وأهمية استمراره أو عدمها. مشروع مقدمي الخدمات كلّف الدولة مئات ملايين الدولارات حتى الآن، من دون أن تظهر النتائج التي كانت مأمولة منه. وأكثر من ذلك، كان استشاري المشروع نفسه، «شركة نيدز»، التي صممت هذا المشروع وروّجت له واستفادت منه، قد أعلنت في عام 2014 أنه فشل فشلاً ذريعاً وبات يشكّل نزفاً مالياً للمؤسسة ويجب وقفه حالاً (2014) وتجميد نفقات غير مبررة بنحو 960 مليون دولار!