«طالع نازل»، فيلم محمود حجيج الروائي الجديد، علامة فارقة في مشهد سينمائي لبناني منقسم بين أعمال تجاريّة رديئة وتجارب جادة لم تكتمل. يشتغل هذا المؤلّف على التفاصيل، بعيداً من أي مراهقة أسلوبيّة، أو ادعاء تجريبي، أو نوستالجيا مفتعلة. عند محمود حجيج الحكاية هي في خدمة الفيلم. أما النظرة إلى الراهن، فترشح من بنية دراميّة قائمة بذاتها، بعيداً عن أي اقحام أو اسقاط أو «ذهنيّة».


الأحداث محصورة في زمن قصير (أقل من 12 ساعة) وفضاء شبه مسرحي. عيادة المعالج النفسي، مصعد العمارة التي يلتقي فيها زوّار الطبيب وسائر السكان، فتعلق أضغاث حكاياتهم ومشاغلهم وهوسهم وانفلاتاتهم، وأخيراً مدخل العمارة من الشارع، حيث تمر تلك الناقة كنوع من اللازمة العبثيّة. الكاميرا ثابتة، والكادر هو نفسه، تعبره الشخصيات، وتخرج منه كليّاً أو جزئيّاً، فلا يعود يصلنا إلا مونولوجاتها المتدافعة في هذا «اليوم الخاص». الطبيب خصوصاً حاضر بصوته، نراه من الخلف معظم الوقت. إنّه كميل سلامة. «طالع نازل» ليس فقط فيلم مؤلف، بل هو أيضاً وأساساً فيلم ممثّلين.
اللقطات العامة على المدينة تؤطّر الحكاية في الزمان والمكان. فيما الحيّز الهامشي الليلي (شقّة، سطح، محترف، شارع) يحكم الخناق على الوجوه الهائمة. وفي مشهد النهاية، حفلة رأس السنة، تتشابك الأماكن والحكايات لتعود بنا إلى البداية. ستواصل الشخصيات وجودها الهشّ، في رحلة بحث عن التواصل الصعب والاستقرار المستحيل. «طالع نازل» فيلم سياسي تحرّر من الكليشيه. محمود حجيح يشرّح أفراداً تائهين في لحظة قلقة، في مدينة منهارة، مخلخلة، أمام الأفق المسدود (مروراً بالجرح السوري). على المتفرّج أن «يصغي» جيّداً إلى الصورة والأداء والحركة والكلام والموسيقى، ليلتقط ذلك.

يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]