هناك، عند زاوية «استراتيجية» من مدخل مخيم صبرا، ستجد العم أحمد. يتكوّر على الحجر، الذي صار كرسياً لجسده الضئيل، ويسند إحدى يديه على حافة العربة المتهالكه، التي هي كل ما يملك. يغريك بوجهه المبتسم دائماً ووجنتيه اللتين صبغتهما شمس حزيران بلون تفاحة حمراء...


ويده التي لا تملّ من رد التحايا. العم أحمد يبلغ من العمر خمسين، قضى منها ثلاثين، متوكئاً على عربته الخشبية عند المدخل.
هناك، حيث ينتظر لقمة عيشه التي تأتيه «بالزور»، كما يقول. طيلة تلك الأعوام، لم يتقن العم إلا «شغلة» بيع الكتب، وهي المهنة التي لم تولد عن حب، وإنما لأنها الأسهل بالنسبة له.


يمكن شراء عدّة كتب عن
العربة بسعر كتاب واحد قد تشتريه من أية مكتبة أخرى


لا تتطلب مهنة العم سوى
البراعة في ترتيب الكتب ولباقة اللسان في جذب الزبائن


هنا، في صبرا، يباع كل شيء
حتى العفاريت الزرق
ربما، لأنها لا تتطلب سوى البراعة في ترتيب الكتب واللباقة في حذب الزبائن... وكرسي للركون إليه. وهي مواصفات يتقنها العم، وإن كان لم يقرأ كتب عربته إلا لتبديد الوقت القاتل من الانتظار.
هو هنا في صبرا، لسببين أولهما قرب مكان عمله من بيته المتواضع وثانيهما أن في المخيم «بيمشي كل شي ويباع كل شي حتى العفاريت الزرق، فهنا بإمكانك أن تشتري بني آدمين مش بس كتب»، يقول. ففي مخيم للفقراء، على شاكلة صبرا وشاتيلا، حيث كل شيء على فطرته من ناس وأزقة وباعة متجولين، يباع كل شيء، حتى «الحب». ولهذا مثلاً، يحرص العم على حسن انتقاء الكتب التي سيعرضها، فيبعثر على عربته الكثير من كتب «نزار قباني، الناس بتحب هيدا الشي». يوضح أكثر «يعني الكتب الي بتنباع بسرعة». لا يكاد الرجل يخبرنا عن معروضاته، حتى يأتيه زبون، طالباً منه كتاباً يتحدّث عن العشق. هذا الزبون الذي لا يهمه لا الكاتب ولا الناشر، المهم أن يحصل على كتابٍ يمكن أن يقتبس منه بضع عبارات يرسلها لحبيبته. وعلى الفور، سيعطيه العم كتاباً يحمل عنوان «30 قصيدة حب لنزار قباني» مقابل ثلاثة آلاف ليرة! فقط لا غير.
ليس هذا الزبون استثناء على عربة العم، فجلّ من يأتون إليه لشراء كتب يطلبون الطلب نفسه: كتاب عن الحب. يعوزونه لإيقاع فتاة في حبهم. لا أكثر من ذلك ولا أقل. وقد فهم العم نوعية زبائنه، لذلك تراه يحشر عربته بكتب الشعر والروايات، إضافة إلى المجلات وكتب الأطفال التي تحوي رسومات لجذب القراء الصغار.
قد لا يبيع العم أكثر من خمسة زبائن في اليوم. وهو واقع ليس بالجيد ـ وإن كان يرضى به ـ وفي أحسن الأحوال لا يدرّ عليه سوى بضع ليرات تكفي لسد الرمق، من دون احتساب «القرش الأبيض لليوم الأسود». مع ذلك، تعوّد على عمله هذا، فمن الصعب في تلك الأيام «تأمين رأس مال لفتح محل صغير أبيع فيه بضاعة أخرى». أضف إلى ذلك أن «الكتب خفيفة ولا تحتاج لجهد لا في حملها ولا في بيعها»، وليست مكلفة أيضاً، إذ يشتري جزءاً من الكتب من الأسواق الشعبية والجزء الآخر «هدايا» من المتبرعين. وثمة جزء ثالث، هي الكتب التي يرميها الناس والتي تكون ذات فائدة في البيع، فيحرص العم على ضمها إلى عربته.
وعن رأيه في المطالعة، يقول العم بأن «الكتب لا تنفع ولكنها تسلي»، واصفاً زبائنه بـ»المساكين»، فهم، على حد تعبيره، لا يجدون ما يملأون به فراغهم، فيلجأون للقراءة!
يعتمد جميع باعة الكتب في صبرا وشاتيلا على القرّاء من الطبقة الفقيرة، فجميع الكتب الموجودة فوق العربات هناك سعرها رخيص ويمكن شراء كتب عدة بثمن كتاب واحد قد يوجد في أية مكتبة.