كان المطلوب من القوانين الرسمية وفتوى المفتي إنهاء صوت المدونين المشاكسين، المشابهين لرائف بدوي، فيما لم تتم ملاحقة أي إرهابي أو مروّج للطائفية عبر قانون مكافحة الإرهاب حتى اليوم. الأمر الذي دفع إنصاف حيدر إلى التعليق بعد تأييد المحكمة العليا السعودية الأحد الماضي الحكم ضد زوجها بدوي بالقول: «حقيقة أنا مصدومة جداً.


وأتساءل لماذا لا تجلد السعودية الإرهابيين بدلاً من مناصحتهم وتجلد أصحاب الفكر السلميين!». بدورها، رأت وزيرة خارجية السويد مارغوت فالستروم القرار استخدام لـ«أساليب القرون الوسطى»، فيما وصفت «منظمة العفو الدولية» يوم صدوره بأنّه «أسود لحرية التعبير».
إذاً تنتظر المدوّن السعودي الحائز جائزة جمعية «مراسلون بلا حدود» لعام 2014 عن فئة حرية التعبير، 950 جلدة وما يقرب من عشر سنوات في السجن لتهمة وحيدة: «تدوينات» حاول من خلالها كسر المحرّمات السعودية.
سبق الحكم الأخير، كشف «منظمة العفو الدولية» على بدوي فور نقله من زنزانته يوم 16 كانون الثاني (يناير) إلى عيادة السجن بعد تلقيه أوّل 50 جلدة. أوصى معها طبيب السجن بأنّ جروحه لم تلتئم، ما أوقف الوجبة الثانية من الجلد. رافق جلد بدوي ضجة إعلامية دولية، أحيلت معها قضيته على المحكمة العليا السعودية بعد الموافقة الملكية على إعادة المحاكمة، ليتم تأييد الحكم قبل أيّام.
قبلها، حُكم على المدوّن والكاتب رائف بدوي (31 سنة) في تموز (يوليو) 2013 بالسجن عشر سنوات، وألف جلدة، بعد إلقاء القبض عليه في مدينة جدة في عام 2012، بتهمة تأسيس منتدى «الشبكة الليبرالية السعودية الحرّة» الذي شجّع بدوي من خلاله المدونين على الدخول في مناقشات حول دور الإسلام السياسي في المملكة.
روّج رائف للعلمانية في عقر دار الوهابية المتطرّفة، واعتبرها بوابة المملكة «للخروج من العالم الثالث إلى العالم الأوّل». رفض الناشط الليبرالي إحلال حركة «حماس» مكان إسرائيل، لأنّها دولة دينية ستنشر «ثقافة الموت والجهل بين شعبها»، ما عرّضه لهجوم غير مسبوق ونقصاً في التعاطف مع قضيته. لا سيّما أنّه مقتنع بأنّ الجبهة العربية والسعودية يجب أن تحاربا الكيان الصهيوني لأنّه مرتكب المجازر الأوّل في حق الفلسطينيين. ودعم بدوي أيضاً الثورة المصرية ضد حكم محمد حسني مبارك لأنّها «ثورة الطلاب والمهمشين، وبداية النهاية لدول تتحكم فيهما الدكتاتورية والأمن».
لكن المفارقة في إعادة المحاكمة الصورية الأخيرة، لا تكشف لكثيرين كيف خسر بدوي محاميه، وليد أبو الخير، في 6 تموز 2014، أوّل من حوكم بقانون مكافحة الإرهاب الجديد. ليقضي معها مؤسس «مرصد حقوق الإنسان في السعودية» عقوبة السجن 15 عاماً، والمنع من السفر مدّة مماثلة، إضافة إلى غرامة مالية ضخمة، بتهمة «السعي لتقويض الدولة». وشكّل هذا ضربة قاسية للدفاع عن قضية المدوّن السعودي الأشهر اليوم.
قبل ذلك، وفي شباط (فبراير) من العام نفسه، أصدرت السلطات السعودية قانوناً فضفاضاً لمكافحة الإرهاب، حمل تحت عباءته توجيه تهم ضد كل من يطالب بدولة دستورية أو يفضح قضايا الفساد أو مجرّد التفكير بفتح ملف معتقلي الرأي، بحجة تهديد أمن الدولة والمجتمع (كما في حالة أبو الخير). ورشّح بدوي ومحاميه أبو الخير المعتقلين لجائزة نوبل للسلام لهذا العام.
رافق ذلك اتهام ناشطين للدولة الوهابية بشقيها السياسي والديني بدعم الإرهاب، لتزويدها المال والسلاح للمقاتلين المتشددين في مناطق عربية وإسلامية. ما أجبر السلطات الأمنية على تشكيل قوّة خاصة في وزارة الداخلية لتعقب مستخدمي السوشال ميديا بتهم إرهابية. لكن هذا لم يوقف التدوين السعودي عبر تويتر، إذ تملك المملكة نحو سبعة ملايين مغرّد. مطالبات الشباب بالتغيير وكسر المحرّمات والنقاش الحر عبر موقع التواصل الشهير، حرّضت المفتي العام للمملكة عبد العزيز آل الشيخ، لوصف تويتر والتغريدات بـ«التهريج»، وبأنّه موقع لـ«كل شرّ وبلاء»، كما أنّه مصدر لـ«الأكاذيب والأباطيل»، وفق تعبيره.
خلال لعبة الشدّ المتواصلة، التي يخوضها المدونون مع السلطات، كتب رائف بدوي في رسالته الأولى المسرّبة من السجن بعد وجبة الجلد الأولى، ونشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية، يخبرنا فيها كيف «نجا بأعجوبة» من عملية الجلد المهينة والموجعة. وتطرّق الناشط والمدوّن السعودي إلى كيف «أحيط بحشود بعد صلاة الجمعة تهتف باستمرار «الله أكبر» خلال عملية الجلد السريعة، فيما صوّرتها خلسةً كاميرا محمول أحد الحاضرين في ساحة المسجد الذي شهد الحادثة». يقول بدوي: «حدثت كل هذه المعاناة القاسية لي لأنّني عبّرت عن رأيي».
في نهاية المطاف سيُحسب لرائف بدوي ورفاقه المدونين، كيف بدأو لعبة الكشف من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعلهم سبّاقين في صنع الثقب الأوّل في جدار الديكتاتور الافتراضي.