سمير مدلّل هو ابن عين المريسة الذي لم يكن يعرف أنّ هوايته للسّباحة ستحدّد مسيرة حياته، كما تُحَدِّدُ اليومَ خطوطٌ عميقةٌ ملامح وجهه السبعينيّ. استهوته السّباحة باكراً فشارك في مباريات وبطولات عدّة في العشرينيّات من عمره، أبرزها ما كان يُعرَفُ بسباق جونيه ـ بيروت. كما كان صياداً ماهراً، ولكن «انقلب السحر على الساحر»، فالشّباك التي تأنّى في نصبها لاصطياد الأسماك أسرته وأنسته المهنة التي كان يعتاش منها.


كان مدلّل منجّداً للمفروشات، يملكُ محلاً صغيراً في منطقة فردان و«كان ماشي الحال»، إلى أن نشبت الحرب اللبنانية، فراح يهرب إلى البحر للسباحة والصّيد حتّى أمسى يبحث عن عيشه في زرقة مياه عين المريسة وفي مسبح «اللونغ بيتش» تحديداً، ناسياً مهنة التنجيد. «اخترت الإنقاذ كي أبقى قريباً من البحر» يقول، ولذا تقدّم للعمل كمنقذ في هذا المسبح، لكنّه قوبل بالرّفض بسبب نحالة جسمه. يشرح: «على عامل الإنقاذ أن يكون قويّ البنيّة وأنا كنت ضعيف الجسم، لكن ذلك لم يمنعني عن البحر فعملت مساعد منقذ وأثبتُّ نفسي حتّى حصلت على الوظيفة». كما شارك مدلّل في دورة للـ(YMCA) وحاز شهادة في الإنقاذ البحري وأتى متفوقاً في دفعته.
خلال السنوات الذهبيّة، كما يصف باعتزاز مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كان يرتاد المسبح فنّانو ذلك العصر وعمالقته. يَذكُر منهم الممثّلين المصريّين عماد حمدي ورُشدي أباظة والمطربة الجزائرية وردة، أما الممثّلة مريم فخر الدّين فيذكرها ضاحكاً «كانت تلبس إسوارة وتعلّيا لزندا لحتّى تشدّ ايديا وتضل لاحقتني!». لسمير حكايات كثيرة كلّها عن البحر. منها المضحك المُبكي، ومنها كما يقول «العادي». فقد ألِفَ في مسيرته حالات الغرق وعمليات الإنقاذ منها، حتى ما عادت تدهشه أو تثير خوفه كما قد يحصل مع أي شخص عادي في مواجهة أي حادث مماثل.
من الأمور الطريفة التي يذكرها، أنه رأى مرة امرأةً تتخبّط في الماء وقد بدت عليها علامات الإرهاق والتعب، فهرع لانتشالها لكن صراخ خطيبها أوقفه، إذ راح الأخير ينهيه عن لمسها مدعياً أنّها لا تغرق. يضحك سمير وهو يختم القصة: «انتهى الموضوع بانتشالهما معاً وإنقاذهما سوياً من الغرق».
حتّى خارج دوام عمله، يبقى المنقذ في ترقّب لأيّة حالة طارئة. يُخبرُك عن ليلة كان نائماً خلالها في بيته القريب من شاطئ البحر. أيقظه ابن خالته ليُخبره عن حريقٍ شبّ في مركبٍ يبعد ما يُقارب الـ2 كلم من شاطئ البحر. ما كان من سمير إلا أن أخذ قاربه واتّجه نحو المركب مع ابن خالته واثنين من أصدقائه. كانت عمليّة الإنقاذ شديدة الدقّة بسبب صعوبة الرؤية ليلاً، لكن وعلى الرّغم من ذلك، تمكّن الأصدقاء من إنقاذ أربعة ركّاب من الطاقم بينهم رجل، يذكر المدلّل مُبتسماً، أنّه كان في حالة ذعر ويرتدي فقط ملابس داخليّة ليتبيّن لاحقاً أنه ليس شخصاً غريباً بل قريبٌ له من صيدا. وقد تبيّن لاحقاً أنّ المركب كان تابعاً للجمارك، فتوّجت عملية الإنقاذ هذه بتنويه من مسؤولٍ في الأمن العام، من عائلة سلهب، وبجائزة مالية قدرها 250 ليرة.
أمّا من الحكايات المبكية، فيذكر سمير قصّة شابّ كان يحاول التقاط صورٍ لبحرٍ هائجٍ، لكن المارد الأزرق سرعان ما غدره بموجةٍ ابتلعته في مياه لا يتجرّأ على مواجهتها أفضل من يُتقن فنّ السباحة. يومها ركض سمير نحو الصراخ الذي راح يعلو من أفواه المتفرّجين على موتٍ مُحتّم، ولكنّه عدل عن القفز في الماء لعدم توفّر سلّم للنجاة.
يشدّد المنقذ على أهميّة هذا السلم، فمن دونه يستحيل أن تنجح عمليّة إنقاذ إذ لن يتمكّن أحدٌ، مهما كان متمرّساً، من انتشال الغريق والمحافظة على سلامة نفسه. يُضيف سمير أنّ لم يتجرّأ أحد على النزول إلى الماء فضاع الشاب وضاعت معه آلة تصويرٍ وصورٌ لم ترها سوى عينين أطفأتهما سريعاً المياه المالحة. تتخطى مهنة سمير كونها مجرد عمل يعتاش منه لأن شروط ممارستها تحوّلها إلى أسلوب حياة. على المنقذ أن يهتمّ بطعامه، لذلك يبتعد عن المأكولات السريعة ويتبع حمية غذائية متوازنة. كذلك يمتنع عن المشروبات الرّوحية أثناء عمله ويتفاداها خارجه حتّى لا تؤثّر في تركيزه. بالنسبة إليه، عامل الإنقاذ هو الذي يعلّم السّباحة للمبتدئين والذي يؤمّن البيئة المناسبة والآمنة لروّاد المسابح، إذ عليه أن يعرف كيفيّة التصرّف في كلّ الحالات ومع جميع الفئات العمريّة. كما عليه أن يتمتّع بسرعة بديهة وبدمّ بارد في الوقت عينه ليواجه أيّة حالة طارئة.
سمير مدلل لم يمل يوماً من البحر ولم يَنْتَبه ندمٌ «لأنّ هذه المصلحة جزء مني، فمن دونها لا حياة». لا يزال إلى اليوم يفضّلها على باقي الوظائف الأُخرى. أخذ المنقذُ البحرَ حبيبةً وشريكةً، تشهق وتزفر، تحبّ وتكره، من المستحيل ترويضها. البحرُ يجذُبُكَ بهدوئه المصطنع ليبتلعكَ بلحظةِ نشوة باردة. يُلين روحك فتستسلم لزرقته. يتملّك جسدك من ثُمّ حواسك بل يتملّكُ كلّ جزء من كيانك.