صمدت البيادر في القرى أمام غزو العمران، لكنها لم تعد ساحات مشرّعة لتلاقي حصاد الأرض والفلاحين. احتفظت باسمها ضمن الأحياء والشوارع التي يحفظها كبار السن في القرى، ولم يبق منها إلا حقول متفرقة انحسرت بتفاوت بين بلدة وأخرى.


حتى عادات الحصاد تغيّرت. سابقاً، متى نضجت الحقول واصفرّت حتى الذهب، سنّ الحصّادون المناجل. بحسب قوته الجسدية، يحمل الحصّاد إما المقحار الطويل، أو الغملوش أو المسنون. فيما يكتفي الحصّاد «العادي» بالمنجل. خلفه، تتعقب «اللاقوطة» خطاه. الفلاحة التي تلم سبل القمح التي يخلفها ضرب المنجل على السنابل. تلك السبل كانت الرزق الإضافي الذي يحصل عليه الحصّاد واللاقوطة إلى جانب أجرهما. والسبل يصنع منه الجريش.
الغمار أو السنابل التي جمعت، يلقيها الحصاد بعضها فوق بعض. تلك الغمر تقسم إلى بنادك، كل بندكين اثنين يشكلان شبكة تحمّل على الجمل أو الدواب من الحقل إلى البيدر. وكل شبكتين تشكلان حملاً واحداً. في البيدر، تلقى السنابل لتكسر تحت الفدان الموصول بحمار أو ثور أو حصان. النورج الذي يكسر السنابل يحيلها إلى «شول» و»طرحة». الشول هو الدائرة من القش الخشن والطرحة التي تجمع في وسط البيدر من القش الناعم. يدرس الشول فيكون «العرمة» وهي القمح المدروس الذي يدرس تدريجاً بعد أن تفصل حبات القمح عن التبن والشعير. ثم تبدأ عملية الغربلة، فصل التراب عن القمح السليم والقمح المكسر، لينطلق من بعدها موسم إعداد المؤونة المنزلية من برغل وكشك وطحين.
ويعدّ «سلق القمح» مناسبة تجمع من حولها أبناء القرية، حيث يتشاركون مهمة إشعال النار وتحريك القمح في «الخلقينة» الكبرى، قبل أن يحملوا القمح المسلوق إلى المصاطب أو سقوف البيوت لتشميسها وتجفيفها قبل أن تنتقل إلى المطحنة وتتحوّل إلى برغل.
حبوب أخرى تزيّن المائدة اللبنانية، تنتج من القمح، هي الفريك الذي بدأ موسم إعداده. ذلك أنه قبل أن تنضج حبات القمح، لا يفوّت الكثير من أبناء القرى فرصة شيّ عدد من السنابل الخضراء. يحصدونها قبل أن تلوّحها الشمس، ويرمونها في النار حريصين على عدم احتراقها. هذه الحبوب التي ستحافظ على لونها الأخضر، ونكهتها المميزة، ستزيّن لاحقاً موائد اللبنانيين. وكما البرغل، تنتقل حبات القمح الخضراء إلى مطحنة البلدة، في حين تحرص بعض النسوة المسنّات على «جرش» الفريك بطريقتهن الخاصة من خلال الاعتماد على الجاروشة اليدوية المصنوعة من حجر أسود مأخوذ من صخور بركانية بازلتية.