لا تعرف الأجيال الشابة اليوم الكثير عن وادي الحجير، المعروف أيضاً باسمَيْ وادي السلوقي ووادي الشهداء. كما لا يعرف معظم المقيمين في المنطقة أن الأشجار الخضراء التي تغطي الوادي اليوم، كانت تغطي أيضاً معظم الجبال المحيطة بهم. لكن هذا ما يؤكده لنا أكثر من مسنّ في المنطقة، عرفوا المنطقة امتداداً للوادي الجميل الذي تحول إلى محمية منذ عام 2010.


يذكر الثمانيني محمد عواضة أن «جميع القرى والبلدات الجنوبية كانت مغطاة بالأشجار الحرجية، لكن الأهالي بدأوا يقطعون ما تيسّر لهم منها على مدى سنوات طويلة، وتكفّلت قوات الاحتلال بالجزء الباقي». هذا في الجبال، أما في الوادي، فقد «ساهم الحزام الأمني الذي رسمه الاحتلال بحماية أشجاره، بعدما أصبح تحت أعين المقاومين أيضاً، وبالتالي امتنع الأهالي عن قصده لقطع أشجاره». قبل الاحتلال، كان الوادي مقصداً لهواة الصيد، كما يقول أبو حسين ترمس (80 سنة)، بأنه «كان المكان الأنسب لصيد الغزلان والطيور الكبيرة لا سيما طيور الحجل، كما كان يشكل طريقاً للوصول الى منطقة النبطية». وإن كان أبو وسيم الأمين (65 سنة) قصد الوادي، في عام 1961، مع عدد من أبناء المنطقة، «باتجاه بلدة الطيبة للتعزية بوفاة أحمد الأسعد»، ولا ينسى يومها أن «كل الجبال كانت مكسوة حينها بأشجار السنديان والعجرم والبلوط والغوردل».


معظم عقارات المحمية
أملاك خاصة يحاول أصحابها
البناء فيها


هذا ما كان عليه الأمر في الماضي القريب. لكن منذ تحرير الجنوب في أيار عام 2000، وإقبال الناس على الوادي، ارتفعت الخشية من الإساءة إليه، خصوصاً بعد تعبيد طريقه ما سهّل على أبناء المنطقة الوصول إلى نهر الليطاني ونبع الحجير ومدينة النبطية. لم يكن هذا الخبر سارّاً لمئات المقاومين الذين استخدموا الوادي وأشجاره في عملياتهم العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي، لأن ذلك «فتح الباب على الأهالي ورعاة الماعز لانتهاك حرمة الوادي بقطع الأشجار وبناء المنازل»، يقول أحدهم. برأيه «طريق الوادي كان يجب أن تبقى مقفلة في وجه السيارات، وتفتح فقط في وجه المتنزهين، لأن المكان يجب أن يبقى نظيفاً وبعيداً عن الباطون والكسارات بخلاف ما حصل بعد التحرير».
وبالفعل، فقد استباحت ثلاث كسارات حرمة المحمية الجميلة فتشوّهت منطقة كبيرة منها في محيط بلدات عيترون وشقرا وميس الجبل، إضافة إلى بناء العديد من المنازل والمتنزهات داخل الوادي، ما شوّه المنظر الطبيعي.

إنشاء المحمية

في 23 تموز2010 أنشئت محمية وادي الحجير الطبيعية بموجب القانون رقم 121، كما أنشئت لجنة للمحمية في آب 2012. وبحسب القانون، تمتد المحمية من مجرى نهر الليطاني في قعقعية الجسر أسفل مدينة النبطية حتى بلدة عيترون في قضاء بنت جبيل. وتحتضن المحمية مياه نبع الحجير وثماني مطاحن قديمة. هذا القانون أضاف إلى المساحات المحمية في لبنان أكثر من 1555 هكتاراً هي من الأكبر والأجمل. إذ تحتضن غطاء نباتياً كبيراً، وتحتوي على أنواع عديدة من الحيوانات والطيور، وثماني مطاحن، بالإضافة الى أعين المياه المختلفة وقلعة دوبيه الأثرية.
لكن القانون لم ينصف المنطقة كما يجب، فقد صدر من دون أن ترفق معه خريطة تبيّن الحدود الفعلية للمحمية، خصوصاً أن أراضيها ليست كلّها من الأملاك العامة أو المشاعات، بل يقع ضمنها أكثر من 400 عقار خاص بدأ أصحابها بالبناء وإقامة المشاريع الاستثمارية المختلفة. يوضح رئيس لجنة المحمية، ورئيس اتحاد بلديات جبل عامل، علي الزين، أن «القانون لم يحدّد حدود المحمية بشكل واضح، لذلك حصلت خروقات بيئية لافتة، لكننا استطعنا توقيف الكسارات الثلاث، العام الماضي، من دون أن نتمكن من مراقبة المخالفات بشكل كامل، لأن في المحمية ثلاثة موظفين فقط، غير قادرين على متابعة جميع الخروقات، ولا صلاحية لهم بضبط المخالفين». ميزانية المحمية لا تزيد على 66 مليون ليرة، حصلت عليها لجنة المحمية عن عام 2013 فقط، وهو مبلغ، بحسب الزين، «يدفع أجرة للموظفين الثلاثة بالإضافة إلى بعض الخدمات البسيطة الأخرى، لذلك طلبنا من البلديات المحيطة بالمحمية المساعدة مالياً للقيام ببعض المشاريع البيئية داخل المحمية».
من المشكلات التي تعاني منها المحمية أن معظم عقاراتها هي من الأملاك الخاصة، التي يعمد أصحابها إلى محاولة البناء فيها. وقد شمل قانون المحمية نصوصاً عدة، أبرزها ما ورد حول العقوبات التي تترتب على انتهاك خصوصية المحمية لجهة الصيد أو قطع الأشجار. فحكمت «بمصادرة الأعشاب والحطب المقطوعة وبيعها بالمزاد العلني والحكم على المخالفين بالسجن من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تصل إلى 2.5 مليون ليرة عن كل شجرة مقطوع و50 ألف ليرة عن كل كيلو غرام من الحطب». كما نص القانون على أن «عقوبة إشعال النار تتراوح بين السجن شهر كحد أدنى إلى سنتين، إضافة إلى غرامة تقدرها المحكمة المختصة». كذلك منع القانون الصيد وإشعال النيران إلا في حدود 300 متر من حدود المحمية. وقد شجّر الاتحاد أكثر من 15 ألف شجرة حول المحمية ونظّم دورات في الإرشاد البيئي لأبناء المنطقة إضافة إلى دعم مراكز الدفاع المدني وتفعيل مراكز الإطفاء بالسيارات المخصصة للحرائق وتأمين مآخذ للمياه في نقاط عدة، على أن يتم بناء خزانات مياه في نواح متعددة من المحمية، إلى جانب تأمين فرق من السكان، وتأهيلهم، للتعامل مع مجمل الحالات الطارئة والكوارث المحتملة.

حفر الآبار الارتوازية يهدد
المخزون الاستراتيجي للمياه
في المنطقة

ويوجد حالياً، بحسب الزين، آلية مخصصة للطوارئ (حرائق، رفع أنقاض، حوادث طرق) جاهزة للعمل في بلدات الاتحاد والمحمية، بلغت كلفتها 120 مليون ليرة لبنانية.
كما عمد الاتحاد إلى إنجاز مشروع تأهيل نبع الحجير وتشجيره بهدف «استحداث معلم بيئي سياحي حيث تضمن المشروع ترميم النبع، إنشاء حوضين للسباحة قسم منها مخصّص للأطفال مع إنشاء سدّ اصطناعي لرفع منسوب مياه النبع، بالإضافة إلى إنشاء جدران تجميلية وتشجير المساحات حول النبع».

الآبار الارتوازية

يلوم بعض الأهالي الجهات المعنية بحماية البيئة والسياحة لعدم منع انتشار الآبار الارتوازية، فيقول المواطن أحمد رمال إن «عدد الآبار المحفورة في وادي الحجير تزيد على 13 بئراً». ويؤكد عباس وجود هذه الآبار «بعضها حفر مؤخراً، وأحدها الذي جرى حفره في عام 2004 أدى الى توقف مياه نبع الحجير الرئيسي، ما اضطرّ المعنيين إلى ردم جوف حفرة النهر بالباطون المسلّح».
يرى رئيس اتحاد بلديات جبل عامل علي الزين أن «حفر الآبار الارتوازية يهدد المخزون الاستراتيجي للمياه في المنطقة، ولا يستفيد منه الا أشخاص محددون، رغم أن القانون يمنع حفر مثل هذه الآبار». ويحذّر من جفاف النبع والنهر «الذي قد يتسبب بمشكلة كبيرة لأبناء المنطقة التي يقيم فيها أكثر من 100 ألف نسمة إذا لم تسارع الدولة لابتكار الحلول الجزئية، وتمنع تكرار ما حصل». وكشف أن «الاتحاد بصدد إعداد دراسة هندسية لتشييد معلم سياحي مميز في وادي الحجير، واستخدامه للدلالة على هوية الوادي التراثية والجمالية ودوره في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي».

الوادي المقدس طوى!

يحظى وادي الحجير، عند أبناء القرى الحدودية، بأهمية كبرى. فهو، عدا عن كونه يذكر الأهالي بنمط الحياة الاقتصادية القديم من خلال مطاحنه التراثية، يذكرهم بانتصاراتهم أيضاً من خلال موقع مؤتمر الحجير الذي كان الشرارة التي أطلقت المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، وبمجزرة دبابات الميركافا التي شهدها الوادي في حرب تموز 2006 ولا تزال آثارها بادية حتى يومنا هذا. أما من الناحية الدينية فيسود الاعتقاد عند أبناء المنطقة، أن الوادي هو عينه «الوادي المقدس طوى» الوارد ذكره في القرآن الكريم، فهو «قد يكون الوادي الذي لجأ اليه نبي الله موسى، بعد ابتعاده وقومه عن فرعون مصر» كما يشير الباحث التاريخي موسى ياسين، الذي يعتبر أن «النبي موسى قصد الوادي وهو في سن 18 سنة عندما أراد فرعون قتله، بدليل أن أقرباء النبي مدفونين قريباً من الوادي، منهم النبي يعقوب الذي له مقام في تلّة العباد، والنبي بنيامين، عم موسى، المدفون في محيبيب، أما عمته حومة، فلها مقام في حي الحومة في بلدة شقرا». ويشير ياسين الى أن «بلدة القنطرة، الواقعة على كتف وادي الحجير هي المكان الذي لجأ اليه النبي موسى عليه السلام، بدليل أن له مقاماً هناك، في جبل في سفح الحجير».
ويشير مختار بلدة القنطرة حسين حجازي إلى أن «المكان معروف في البلدة بكاشف الطيّ، ومعناه كاشف السرّ العميق»، لافتاً إلى «وجود درج حجري مرصوص في وسط الجبل يصل إلى بئر عميقة، كنا نرمي الحجارة فيها فلا نسمع صداها». كما يقول أحمد عباس، ابن البلدة أن هناك «محراباً حجرياً قريباً من البئر، وكان معروفاً أنه المقام الذي صلى فيه النبي». مؤكداً أنه بنى عليه غرفة عام 1976، «إيفاء لنذر لي، لكن الاحتلال الاسرائيلي هدمها بالكامل فتلاشت آثار المقام، لكن تم اكتشاف قبر كبير بطول 6 أمتار اضافة الى صهريج ماء كبير محفور بالصخر، تم جرفه أيضاً».
توجد بالقرب من المقام شجرتان كبيرتان تحملان اسم «شجر القاتل»، لا تزالان موجودتين حتى الآن، أغصانهما حمراء، وأوراقهما تشبه أوراق المانغا، وأبناء البلدة يخافون منذ عشرات السنين من أكل أوراقها أو حتى لمسها، حتى أن قطعان الماشية تبتعد عنها.

المطاحن الثمانية

داخل هذا الوادي الجميل، توجد ثمانية مطاحن تراثية تحكي قصة أجيال من المزارعين الجنوبيين. «مطحنة الرمّانة»، التي أصبحت ملك موسى علي حجازي، من بلدة قبريخا، هي الوحيدة بين المطاحن الثمانية التي جرى ترميمها مؤخراً، لكنها «لن تعود إلى عصرها السابق، عندما كان يلجأ إليها المزارعون المحمّلون بأكياس القمح لطحن محصولهم وتخزينه» كما يشير محمد حجازي. يذكر الرجل السبعيني أن «تاريخ بناء المطحنة، والمطاحن المجاورة لها، يعود إلى ما يزيد على 300 سنة، وهي كانت ملكاً لآل صبرا من القنطرة، لكن العدو الاسرائيلي دمّر بلدة القنطرة القديمة عام 1978 وقتل 15 شخصاً من أبنائها من بينهم صاحب المطحنة آنذاك علي حسين صبرا، وبعدها قام الورثة ببيعها».
علّق حجازي على جدران مطحنته الداخلية بعض أنواع الأسلحة التي كان يستخدمها المقاومون ضد الاستعمار الفرنسي، مع صورة قديمة تجمع المقاومين أدهم خنجر وصادق حمزة الفاعور. في أحد الأيام، زار ضابط فرنسي من ضباط «اليونيفل» المطحنة برفقة ضابط في الجيش اللبناني وسأل عن الصورة المعلقة على الجدار. أجابه الضابط اللبناني إنها صورة قادة المقاومة الذين قاوموا الاستعمار الفرنسي. عندها اقترب الضابط الفرنسي من الصورة وأدّى التحية للشهيدين حمزة وخنجر.
مطحنة ثانية شهيرة، هي مطحنة العين، التي يلفت أحد أصحابها حسن مؤذن إلى أنها «ظلّت تطحن القمح حتى عام 1985، مع إقامة الشريط الحدودي أصبح وادي الحجير عرضة للنيران الاسرائيلية». المطحنة المعطلة اليوم «يمكن إعادة تشغيلها إذا جرى استبدال القوابي القديمة بآلات حديثة، لأنه لم يعد يوجد من يستطيع صنع العمود الأساسي للمطحنة والمعدات الأخرى القديمة التي تعمل على ضغط المياه».
جميع هذه المطاحن كانت متشابهة في نمطها المعماري، فالواحدة منها مبنية على شكل زاوية، مؤلفة من غرفتين، غرفة لطحن القمح وأخرى تستخدم لنوم العمال، وكانت هذه المطاحن تقصد من جميع أبناء قضاءَيْ بنت جبيل ومرجعيون.