ليس كل من صوّت لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جوزف بلاتر فاسداً، وليس كل «الفيفا» فاسداً، لكن الحقيقة أن الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في زيوريخ شكّلت انتصاراً للفساد، ولو أن من أقام الدنيا وأقعدها ليس أفضل من «سيب» أو كل أولئك المتهمين الذين ارتبطوا بشكلٍ أو بآخر بالمؤسسة الكروية العظمى.


بطبيعة الحال، ما أُثير في الفترة الأخيرة، وتحديداً في الأيام التي سبقت الانتخابات لم يكن بالأمر الجديد، إذ لطالما همس كثيرون في مراكز القرار حول العالم بأن درجة الوقاحة وصلت بأولئك الفاسدين إلى عقد الصفقات المشبوهة في وضح النهار، وهو أمر يشير إلى أنه يمكن الجزم بأن السيد بلاتر كان يعلم بالكثير منها وينام عليها لحسابات معيّنة، يأتي على رأسها البقاء في كرسي الرئاسة.
وهذا الأمر يمكن أن يأخذنا إلى مشاهد كثيرة حضر فيها بلاتر مدافعاً باستبسال عن خيارات فاضحة لا يمكن العقل تقبّلها، لأنها ليست منطقية على الإطلاق كمنح حق استضافة هذه البطولة أو تلك لهذا البلد أو ذاك. وفي حالات كهذه، كان بالإمكان القول إن الرجل يستفيد بمكانٍ ما، إن كان ليس مادياً فبالتأكيد بطريقة أو بأخرى.
وطبعاً هذه المسألة اتضحت في العملية الانتخابية الأخيرة، إذ إن بلاتر استثمر سابقاً في مواقف معيّنة وفي تنصيب أشخاصٍ في مراكز معيّنة، فكان له أصواتهم وأصوات حلفائهم و»بلوكاتهم».
إذاً، هي عملية تسليف مسبقة كانت مفاعيلها إبقاء بلاتر رئيساً لولاية خامسة، وبالتالي التمديد للفساد لأربع سنوات إضافية، إذ إنه إن لم يكن لديه أي دورٍ في ما حصل، فعليه أن يتحمل المسؤولية، لأن الفساد جرى تحت ناظريه، ورئيس «الفيفا» لا ينحصر دوره بالسفر حول العالم وتأمين حضور اتحاده على أعلى المستويات، بل تأمين اللعبة من كل الآفات التي تسيء إليها أكثر من أي وقتٍ مضى.
صحيح أن قسماً كبيراً ممن صوّت لبلاتر كان مجبراً على فعلها ووضع الورقة عن غير قناعة، إلا أنه فات هؤلاء أنهم بفعلتهم هذا يدفنون الروح الرياضية، فصدقية الاتحاد الدولي سقطت أصلاً، ووجودهم فيه أو حوله بات أمراً يسيء إليهم أكثر مما يفيدهم. لكنهم اليوم شركاء في حالةٍ نبذها العالم وأشار إليها بأصابع الاتهام.
بلاتر منبوذ اليوم، إذ حتى الشريحة التي منحته صوتها قد تكون تسأل نفسها: «ماذا بعد؟»، وتسأل إلى أي مدى ستُلحق الأضرار بها بعد تثبيتها الفساد في المؤسسة التي من المفترض أن تحمي مصالحها المرتبطة بمصلحة اللعبة.
القصة لم تنتهِ على الطريقة الأميركية حيث ينتصر الأمير في نهاية الفيلم على «العجوز الشرير» ويحكم المملكة ويعيد إليها السعادة.
القصة لم تنتهِ هنا، إذ مما لا شك فيه لن يتقبّل مهاجمو بلاتر صفعتين: الأولى عندما فشلوا في فرض خيارات أخرى على صعيد استضافة كأس العالم عامي 2018 و2022، والثانية بسقوط مرشحهم الأول بالضربة القاضية ومن جولةٍ واحدة أمام الرئيس العتيد.
هي نهاية الديمقراطية، وانتصار للفساد وتعزيزه بطريقة اختيارية، وهي إساءة إلى المجتمع الكروي ولكل متابعي اللعبة حول العالم.
أما الملفات، فهي لن تُغلق أبداً قبل أن يُغلق باب الخروج خلف بلاتر، الذي سيكون «أسطورة» إذا نجح في إكمال ولايته حتى نهايتها، وهو أمر أشك كثيراً في حدوثه.