1


سأستعين بنفسي، وأسترجع هذه «اليوميّة» البائتة:
كلما نظرتُ إلي هذه الخريطةِ الملَبَّدةِ بالدخان والمقابر وعويلِ النادبين، يسألونني: «لماذا تبكي؟».
لا أعرفُ بماذا أُجيب. لكنني ما ألبثُ أنْ أُعيدَ السؤالَ على نفسي: «حقّاً، ما الذي يُبكيني؟».
تريدون الحقيقة؟ لا شيء. لا شيء يُبكيني سوى أنني، كأنما للمرّةِ الأولى أنظرُ إلى خريطةِ هذه البلاد، وأعرفُ أنها كانت، منذ آلاف السنين، تَضمُّ أضلاعَها على قلبها، وترتجفُ هلعاً مِن جَزّاري هذا الكوكب، ومِن حرّاسِ قلاعهِ ومقابرهِ ومعابدهِ وإسطبلاته.

ما يُبكيني حقاً (ما يُبكيني ويخيفني) أنْ يأتيَ يومٌ أنظرُ فيه إلى هذه الرقعةِ نفسها من الخريطةِ فلا أعثر حتى على موطئِ قدمي، ولا أُبصِرُ إلّا الغبار، ولا أقرأُ إلّا كلمةَ: «العدم».
(وإذا كان لا بدّ من التذكير، فقد كانت تلك «اليوميّةُ» القانطةُ الـمُتَطيِّرة تحمل عنوان: «سوريّا التي كانت...»).
.. .. ..
ويومَ كتبتُ هذه «الغصّة» (قبل سنةٍ من الآن) عاتبني الكثيرُ من الأصحاب، واغتبطَ بخيبتي الكثير من المبغِضين والشامتين، وتَوعَّدني - في ظلماتِ قلوبهم وضمائرهم- الكثيرُ الكثير من مُتَصيِّدي الهفواتِ وزلاّتِ القلوب والألسنة.
وها أنا الآن، بعد سنة من إطلاقِ هذه الصرخةِ الداكنة، وأربع سنواتٍ مديداتٍ من بدايات هذه الكارثة الكابوسيّة التي لا تُنبئ وقائعها بأية علامةِ نجاة..؛ ها أنا أُعيد قراءة ما سبقَ أنْ قلتُ، وأُتمتمُ في بالِ نفسي: «لو تعلم الآلهةُ كم أكره نفسي.. لأنني كنتُ على حق!».

2


أربعُ سنواتٍ مضت (حتى الآن). أربعٌ مفتوحةٌ على ظلماتِ «أربعاتٍ» مفتوحةٍ على الجنون واليأسِ والمهالك. أربعٌ قُبرَتْ في العتمة، والخذلان، ودويّ القذائفِ والصلواتِ والأناشيدِ والمراثي. أربعُ سنواتٍ من تربيةِ الأحلامِ، والسعيِ في المآتمِ، والاستغاثةِ بألهةِ العماءِ والعدم..: أربعةُ دهورٍ من الهلعِ والدمع.
أربع سنواتٍ لم أفعل خلالها سوى ابتلاع الحصى، وتلفيقِ ترّهاتِ «الأمل».
ابتلعتُ الحصاةَ تلوَ الحصاة، والدمعةَ بعد الدمعة، حتى صارت أحشائي وبلعومي وفمي، وما تحت لساني وأجفاني ولِحاءِ قلبي, تلَّـةً شاهقةً من الحصى والرمادِ وأملاحِ الدموع والأسرار.
والآن؟!.. الآن، ها أنا (كجميع أشباهيَ المغلوبين) ألفظُ الحصى كلّه، والأسرارَ المكتومةَ كلّها، والصمتَ كلّه، ودموعَ القانطين المكابرين.. كلّها وكلّها.
ها أنا أصرخُ بملءِ أحشائي وقلبي ولساني ودموعي: «أيها الناس، لقد غُلبنا».
ها أنا أصرخ وأبكي.
ما كتمتُه من دموع اليائسين، طوال أربع سنوات من دعارةِ الأمل، هو كلُّ ما ادّخرتُه من الأسلحة لمحاربة هذا العالم البذيء الممتدّ من عتبةِ مأوايَ إلى آخِر عتبةٍ من أعتاب هذه الأرض الملعونةِ المنَجَّسة.. أرضِ البرابرةِ، والأباطرة، والعبيد، والنخّاسين، والمؤذِّنين، وفقهاءِ النجاة، وفلاسفةِ الأمل، وصنّاعِ الكوابيس والمآسي.

3


منذ أيام (بُعيد ساعاتٍ من مصرع زنوبيا التراجيديّ والأخير)، وعلى موعد قهوة الصباح، زارتنا الجارةُ الصديقةُ الثاكلةُ التي فقدت ابنها قبل سنتين؛ تلك المرأةُ التي (بسببِ حياءِ ضميرها وقلبها، واحتراماً للاسم الذي حملتْه منذ ذلك التاريخ.. «اسم: أمّ الشهيد») ابتلعتْ دموعَها ونحيبَها طوال سنتين كاملتين. لكنها، في تلك الصبيحة القاصمة، وهي تلتقط ما يتسرّب من أشداق المذيعين والمعلّقين وصيارفةِ الخرابِ والألم.. من أنباء سقوط «تدمر» والهزيمةِ الصاعقةِ التي لحقتْ بجدّتِها التعيسةِ «زنوبيا»، لم تلبث أن انخرطت في البكاء (للمرّة الأولى بعد سنتين من المكابرة).. واكتفت بقول: «حرام، حرام!... زنوبيا لا تستحقّ كلَّ هذه المهانة».
.. ..
..نعم، لقد غُلبنا. غُلبنا وخُدعنا.
فإذنْ: سامحيني أيتها الجارةُ الثاكلة!
أيتها الصديقةُ الأمّ ( أمّ الشهيد).. سامحيني!
سامِحنَني يا جميع الأمهات الثاكلات:
أبناؤكنّ (أبناؤكنّ الذين لم يعودوا أبناء لأحد) صاروا من ساكني قارّةِ النسيان. وأنتنّ، الآن وأبداً، لم تَعدنَ «أمّهاتِ شهداء». أنتنّ مجرّدُ «أمّهاتِ مقتولين».
نعم ونعم! إبكي أيتها الجارةُ الباسلةُ الثاكلة (أيتها الشهيدةُ الحيّة).
الآن بمقدورك أن تبكي وتنوحي دونما استحياء.
الآن، بمقدوركِ أنْ تُعيدي ما قلتِهِ في هذه الصبيحةِ الدامسة: «الآنَ ماتَ الولد».
أنتِ وزنوبيا شقيقتان في التعاسة، والخذلان، وبؤسِ المصير.
كِلاكما خالدةٌ في الذاكرةِ (ذاكرةِ الخطباء والمتفاصِحين)، ومطموسةُ الأثرِ في دليل الحياة. وكِلاكما فَقدَتْ ما لا يمكن تعويضُه: أنتِ «ثمرةَ الرحمِ والقلب»، وهي «ثمرةَ الكرامةِ، وشرفَ الإقامةِ في إيوان التاريخ».

4


حسناً! سأعيدُ قولَ ما عوتِـبتُ على قوله: «سورية التي.. كانت».
وحسناً! سأتذكّرُ وأواصل التَذَكُّر.
سأتذكّرُ «ما كانَـته» سوريّة.. وما هي صائرةٌ إليه. سـأتذكّر فلسطين (فلسطين التي كانت أحدَ أنبلِ قلوبِ سوريّة، وصارت قلبها اليتيمَ المضيَّع). سأتذكّر اسكندرون «السليب!..»، وانطاكيةَ التي لم يبقَ منها إلاّ ما تنفثهُ أفواهُ البطاركةِ (بطاركةِ أنطاكيةَ وسائرِ المشرق!) في صلواتهم وأذيالِ خطبهم وهذياناتهم. سأتذكر «لبنان الكبير»، وشرقَ الأردن المكافَـأَ بصولجان العرشِ. سأتذكر الجولان، والرقّة (رقّة الرشيد). سأتذكر تدمر ومملكة ماري..؛ (هل سيأتي يومٌ نتذكّر فيه «أوغاريت».. الرحمَ الأولَ لعقلِ الإنسانيّةِ وروحها؟../ أخشى أنه سيأتي).
ومثلما أتذكّر الآن ديارَ المرحوم يسوع الناصري (الذي ما عادت تنفعه الرحمة)، ولوقيانوس السميساطيّ الذي لا أعرف الآن تحت رايةِ أيٍّ مِن الغزاةِ تثوي عظامُه وأفكاره، سأتذكّر في الغد ( الغد الذي أراه) ديار أبي تمّام، وأبي العلاء، والمتنبي، وأبي فراس الحمدانيّ، وديك الجنّ الحمصي..؛ وربما ديار كاتبِ هذه الهذيانات وقارئيها.
سأتذكّر ما لن يتاح لأحدٍ تَذَكُّره.
سأتذكّر الجبّانات التي لن يتأخّر الفاتحون «المحرِّرون» في نبش عظامها والبصقِ على أرواحِ قاطنيها: سأتذكّر العدم.
سأتذكر وأتذكر وأخاف. أتذكّرُ وأواصِلُ التذكّرَ والخوف: تُرى، ما الذي سيبقى من سورية التي أحببناها.. «سورية التي كانت»؟.. (نعم؛ ستبقى الأضرحةُ، والمعابدُ، والخاناتُ -خانات بني عثمان المؤَلَّهين، والفنادقُ المدلّلةُ التي عمّرها اللصوصُ الراهنون ليَتنعّم بها لصوصُ المستقبل).
وأيضاً، سأتذكّر الشهداء (شهداءَ جميع الأوقات والأمكنةِ والمذابح) الشهداءَ الذين لن يجدوا الوقت الكافي للندم والتَحسُّر؛ الشهداء الذين سُفحت أرواحُهم على تخومِ شظايا الأوطان الضائعةِ أو المضيَّعة (من فلسطين إلى تدمر، ومن أنطاكية إلى مساقط رؤوسنا الموشكة على الـ... إلخ)؛ الشهداء الذين لعلّهم سينتبهون الآن إلى ما هم فيه، ويبكون على أنفسهم صارخين: الآنَ قُتِلنا...
نعم، هي «سورية التي كانت». سورية التي بكيناها. سورية التي سنواصل بكاءها (البكاء عليها أو البكاء منها). سورية التي، بعد وقتٍ آملُ أنه لن يجيء ونحن على قيد العيش، سندير لها ظهورنا وضمائرنا، وننطلقُ ناحيةَ ظلامنا الترابيّ الأخير، ونتركها (نترك ما بقي من حطامها) يتأوّهُ ويبكي.
نعم: هي سورية التي كانت. ونعم: نحن لم نعد ننتمي إلى وطنٍ ولا إلى عصر. نحن ننتمي إلى عالم الأمس، وتاريخ الأمس، وجغرافية الأمس. ونعم: كان لأسلافنا وطن في الماضي، وها نحن الآن -ورثَتَهم وقَـتَلتهم في آن- نقيم على كومةٍ من الشظايا الدامية التي.. كانت بلاداً.

5


أما أنتِ يا زنوبيا (أنت التي قُدِّر لك أن تموتي مرتين) فاطمئنّي! لن ندعكِ تُنسين.
فغداً، بعد أن يستتبّ الجنون وتكتمل أركان المذبحة، سنطلقُ اسمكِ (اسمكِ المهيب العظيم) على ما سيُعاد إعمارهُ من البارات، ونوادي الليل، ودُور الـ.... ومكاتب التسويق العقاريَ أو «العاطفيّ»، والمطاعمِ الفولكلورية المتخصّصةِ في الشّواء البلديّ النفيس، شواءِ لحم الضّان التدمريّ، ذائعِ النكهةِ.. والصِّيتِ.. والطهارة.
اطمئني يا زنوبيا، اطمئني! سنأكلُ شواءَ لحمكِ.. ونتذكرك.