«علينا أن نعود إلى الجزيرة». «ليس قارب بيني». رحلة «أوشيانك 815». وحش دخانيّ أسود. امرأة فرنسية مخبولة. دبّ قطبي بين الأشجار. «الآخرون». «الفتحة». «مبادرة دارما». «محطة هيدرا». «كل شيء يحدث لسبب». تلاعب زمني معقّد إلى الخلف (فلاش باك) ونحو الأمام (فلاش فوروارد)، ثمّ العودة إلى الحاضر بسلاسة. خليط متفرّد من الواقع والخيال العلمي والأكشن والرومانس والفلسفة والميثولوجيا والكوميديا والإبهار البصري.


منذ خمس سنوات، فتح «جاك» (ماثيو فوكس) عينه للمّرة الأخيرة، ليراقب ابتعاد الطائرة عن الجزيرة. ممدّد على الأرض هو، إلى جانب كلب أليف وبعض النباتات. اللقطة الختام في Lost (من2004 إلى 2010)، بعد ستة مواسم أخّاذة و121 حلقة مجنونة. المسلسل الأميركي الذي ابتكره ج. ج. أبرامز وجيفري لايبر ودايمون ليندلوف، على شبكة ABC الأميركية. تبعتها عشرات القنوات والدبلجات في جهات الكوكب، منها النسخة العربية التي حملت عنوان «الضياع».
رغم الأحاديث عن اشتقاقه من فيلم Cast Away (عام 2000) لروبرت زيميكس وسلسلة Survivor في البداية، أثبت Lost أنّه لا يشبه سوى نفسه. عالم كامل ينطلق من تحطّم طائرة في طريقها من سيدني إلى لوس أنجليس. الناجون يجدون أنفسهم على جزيرة استوائية جنوب المحيط الهادئ. مهلاً، هذا المكان غامض، متحرّك، مثير للريبة، مثقل بتاريخ أسود وظواهر غامضة.
لا شيء يبدو على ما هو عليه، منذ أن فتح «جاك» عينه في اللقطة الأولى، إلى أن أغمضها في الأخيرة. بعد تسارع الموسمين الأوّل والثاني، نكتشف أنّهما ليسا أكثر من مزحة. المواسم الثلاثة التالية تذهب نحو الأقصى في الغموض والتعقيد، قبل أن يجد الموسم السادس نفسه مضطراً إلى تجميع كل شيء. إنّها رحلة ملحمية في غياهب الزمان والمكان والعوالم والفلسفة الوجودية. تجسيد حياتي لأكثر الأفكار راديكاليةً ووجوديةً وحساسيةً.
التصوير الموارب ليوم القيامة.


ليس من أفضل ساعات
التلفزيون فقط، بل إنّه الـ«مسلسل» كما يجب أن يكون

الصراع الأزلي بين الأبيض والأسود، الخير والشر، الله والشيطان. «يأتون، يتقاتلون، يدمّرون، يفسدون. دائماً تنتهي القصة بنفس الطريقة». هكذا، يجلب الله البشر إلى الأرض، ليراقب اضمحلالهم في كلّ مرّة.
Lost ليس من أفضل ساعات التلفزيون عبر التاريخ فقط. إنّه الـ«مسلسل»، كما يجب أن يكون. الكون المتكامل الذي يذهب بالعقول، ويخلب الألباب، ويسرّع القلوب، ويخطف الأنفاس. السيناريو الكابوس لأيّ كاتب حول العالم. بداية الخلق التي عمل عليها فريق كبير من «الكتّاب بالفطرة». الأسئلة كثيرة. كيف يمكن ربط حدث في الموسم الأخير، بآخر في الحلقات الأولى؟ هل الزمن مرن إلى هذا الحد؟ ما هذه القدرة الفذّة على التطوير واجتراح الأحداث والحوارات والحلول اللامعة؟ التطرّف يغرق في الالتباس: هل كان هؤلاء موتى طوال الوقت؟ هل هو التقمّص، أم تلك حياة موازية؟ ببساطة، لا جواب قاطع على أيّ من ذلك.
لا شكّ أنّ المتابعة المخلصة مرهقة بقدر الاستمتاع. تتطلّب متفرّجاً وفياً وذكياً، لالتقاط أكبر جرعة من الإكسير المدهش. لم يجُب المسلسل على جميع الأسئلة التي أرّقت الملايين حول العالم، رغم سعيه اللاهث إلى لملمة الخيوط المتفلّتة. هنا، يمكن القول إنّ النهاية لم تكن مبهرة كما المتوقع. حمل التركة الثقيلة، أدّى إلى خاتمة «خدمية» على حساب الإحكام والمفاجأة. صار اللعب على المكشوف، وفق مبدأ «لا بأس من بعض الشطحات». سدّ الفجوات الغامضة، دفع بالقائمين عليه إلى إصدار حلقات قصيرة على دفعتين: Lost: Missing Pieces وThe New Man in Charge.
الأولى 13 كليباً، تراوح مدّة كل منها بين دقيقة وأربع دقائق، عُرضت في فترة التوقف بين الموسمين الثالث والرابع. الثانية 12 دقيقة من ملحقات الإصدار الرقمي للموسم السادس.
في الشخصيات، نلمس طيفاً شاسعاً من الطباع والمعتقدات والجنسيات وطرق التفكير وسقطات الماضي. يتنافسون في الكاريزما، ويتفاوتون في الأداء، ضمن الحد الملائم من الجودة. جيش من الأسماء أمام كاميرات «بانافيجن» 35 ملم وخلفها. لا مجال لتفصيل الحكايا ضمن مساحة محدودة. بعد خمس سنوات على «النهاية»، تفرّق الممثّلون. بعضهم حلّق في بلوك باسترز السينما، فيما بقي آخرون في سجون التلفزيون.
الدعوة إلى المشاهدة (أو إعادتها) والتعلّم مفتوحة دائماً، خصوصاً لصنّاع الدراما العربية الذين لا يمانعون الانحدار يوماً تلو الآخر.