الوثائقي الجيّد هو القادر على تحريك المياه الراكدة، وإثارة الجدل وحتى الصراخ. يبقى النقاش حول السويّة الفنيّة وأسلوب المعالجة مفتوحاً ما بعد العرض. تزداد الأمور إثارةً في بيوغرافيات الأسماء الساخنة. هنا، تبدأ لعبة شدّ الحبال باكراً. في «آيمي» (عروض منتصف الليل في «مهرجان كان السينمائي الدولي» 2015)، ينبش البريطاني من أصل هندي آصف كاباديا إرث المغنيّة البريطانيّة الراحلة آيمي واينهاوس (1983 ــ 2011). من خلال عدد من الشهادات ومقاطع الفيديو، يرصد مخرج Senna الحياة المهنيّة والشخصية لساحرة السول، قبل أن تُغرق جسدها بشتّى أنواع الكحول والمخدّرات، وتفارق الحياة إثر تسمّم كحولي عن 27 عاماً. عائلة واينهاوس تحمّست للشريط في البداية، قبل أن ترفع الصوت احتجاجاً عليه. «مضلل»، وصفه آل واينهاوس في تصريح للمجلة الأسبوعية الأميركية People، مؤكّدين أنّ العائلة «تنأى بنفسها عن الفيلم. إنّه مضلّل، ويحتوي على أكاذيب جوهريّة». يدّعي أهل آيمي أنّ «السرد مبني على شهادات عيّنة ضيّقة من المحيطين بابنتهم، وكثير منهم لم يكن على علاقة بها في أعوامها الأخيرة». والدها ميتش واينهاوس كان قد هاجم الشريط بحدّة في وقت سابق. «شعرت بالغثيان عندما شاهدت الفيلم للمرّة الأولى»، قال في حديث لصحيفة الـ«صن» البريطانية، مضيفاً: «آيمي كانت ستشعر بالغضب، ولم تكن لتريد هذا».


هذا يذكّر باحتجاجات عائلة ويتني هيوستن على وثائقي «ويتني» (2015) لأنجيلا باسيت، الذي عرض على شبكة «لايف تايم» الأميركية بداية العام (الأخبار 13/12/2014).
نظرة عامّة على الشريط تفسّر غضب الأب. ها هو يتذكّر سعي أصدقاء صاحبة أغنية «فاليري» لإقناعه بإرسالها إلى مصحّ لإعادة التأهيل. رغم انصياعه لذلك عام 2007، إلا أنّه يقرّ باعتقاده بأنّها كانت على ما يُرام. هذا لم يمنعه من الضغط عليها لمواصلة العمل وكسب الأموال. مديرها يندم على إمكانية إنقاذها في ذلك الوقت. الوثائقي لا يمزح في هذا الأمر. الكل تعامل مع واينهاوس على أنّها منجم للمال والشهرة. أب مستغل جاهل. زوجها السابق بلايك فيلدر سيفيل قادها إلى مستنقع الهيروين والكوكايين بدم بارد. حتى عندما هربت إلى سانت لوسيا في الكاريبي لتنقية دمائها، حاصرها والدها بفريق القناة الرابعة البريطانية.

كان يصوّر أحد برامج تلفزيون الواقع حول كونه أباً لواينهاوس، فراح يلقنها بعض المحاضرات أمام الكاميرا. كذلك، صار سجن الباباراتزي جحيماً مقيماً، فيما هي تزداد شهرةً وتحليقاً (كثير من لقطات الفيلم مأخوذة من أرشيف هؤلاء). مرض «البوليميا» (الشره المرضي) زاد الأمور سوءاً. لم يتحرّك أحد، فيما يُسمَع صوت استفراغها في الحمّام. هذا جاء بعد سنين طويلة من فقدان الشهيّة والاكتئاب. الحقيقة المظلمة أنّ آيمي واينهاوس كانت وحيدةً، على الرغم من كثرة الضباع حولها. هي من أواخر المنضمّين إلى «نادي الـ 27» الذي يضمّ عدداً من أشهر الموسيقيين الذين رحلوا عن 27 عاماً. الأسباب عائدة غالباً إلى الإدمان والاكتئاب، منهم: جيم موريسون، وجيمي هندريكس، وبرايان جونز، وكورت كوباين (أنجز بريت مورغان وثائقياً عنه هذا العام بعنوانKurt Cobain: Montage of Heck ــ الأخبار 9/5/2015)، وأخيراً المغنيّة والممثّلة البوسنية سلادا غودراس. بتلك اللكنة البريطانيّة، تختصر آيمي واينهاوس كل شيء: «لست فتاةً تحاول أن تكون نجمة. أريد فقط أن أغنّي». المحصلة هي الغضب. آصف كاباديا أرادنا أن نغضب حسبما صرّح أخيراً.

بدورها، تفجّر Showtime وثائقيين كبيرين بعد عرض أوّل في «مهرجان ساندانس السينمائي» 2015. الشبكة الأميركية باتت توزّع في صالات السينما قبل العرض التلفزيوني، تحت كيان جديد هوShowtime Documentary Films «أفلام شو تايم الوثائقية». Listen to Me Marlon (أصغِ إليّ مارلون) للبريطاني ستيفان رايلي يعتمد على أرشيف صوتي غير منشور لأيقونة التمثيل الراحل مارلون براندو (1924 ــ 2004). مئات الساعات المسجّلة بصوت «مارلون عن مارلون»، تقود السرد من دون تعليق أو شهادات. كان براندو كالثقب الأسود، يجذب كل شيء نحوه. مسيرته الذهبية ونزقه وغرابة أطواره وملله من السينما في السنين الأخيرة، وصولاً إلى الكوارث العائليّة المتتالية. كل ذلك جعل منه هدفاً وثائقياً متفرّداً كما نجوميته. الجدل النقدي بدأ منذ الافتتاح، مسجّلاً حماساً واضحاً للشريط.
في Prophet›s Prey (فريسة النبي)، تلاحق الأميركية إيمي بيرغ حياة مواطنها وارن جيفس، زعيم «كنيسة يسوع المسيح الأصولية لقديسي العهد الأخير» (طائفة منشقة عن الكنيسة المورمونية، يؤمن أتباعها بأنّ تعدّد الزوجات يمثّل طريقاً إلى الجنّة). الرجل يقضي عقوبة السجن المؤبّد منذ 2011، بعد إدانته بالاعتداء الجنسي على قاصرَين من أتباعه. هكذا، يتناول الشريط مسارات «النبي» في الصعود والسلطة والعطب الفكري. الفيلم سيراقص مشاعر أكثر من عشرة آلاف من أتباع الكنيسة. في وقت ما، كان هؤلاء مستعدّين للتضحية بحياتهم كرمى لعيون الزعيم. مجدداً، إنّها السينما في وجه التعصّب.