الجزائر | منذ صدور مشروع قانون السمعي البصري في 2012، الذي جاء مكمّلاً لقانون الإعلام الصادر في السنة نفسها، وانتقادات أهل المهنة تتوالى. احتوى المشروع مواد تشير إلى ميلاد مجلس يسهر على تقنين عمل القنوات الجزائرية، وهو ما يُعرف بـ«سلطة ضبط السمعي البصري». أفرد مشروع القانون فصلاً كاملاً لتشكيل وتنظيم سلطة الضبط السمعي البصري، وتشير المادة التاسعة منه إلى أنّ هذه السلطة تتكوّن من 11 عضواً يعيّنون بمرسوم رئاسي.


خمسة منهم يختارهم الرئيس، واثنان يختارهما رئيس مجلس الأمّة، وعضوان آخران يختارهما رئيس المجلس الشعبي الوطني، وعضوان آخران يختارهما رئيس المجلس الدستوري لمدّة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرّة واحدة، على ألّا يكونوا منتخبين.
وتتمتع هذه السلطة بجميع الصلاحيات التي تسمح لها بمراقبة المطابقة القانونية لمختلف أشكال ممارسة النشاط السمعي والبصري.
وكالعادة، لم تخرج السلطة السياسية عن منطق الوصي على الشعب، موجدةً جهة رقابية معيّنة من قبل الحكومة، نظراً إلى «التأثير الكبير لهذا النوع من الاتصال على الرأي العام والضمائر.
ومن هذا المنطلق تجد السلطات العامة نفسها مجبرة على عدم البقاء على الحياد في مهمتها المتمثلة في حراسة المصالح المعنوية للأمة، ما يضفي الشرعية على تدخلها بطريقة أكثر وضوحاً وعمقاً»، من دون أنّ نتكلّم على دعم الدولة لمثل هذه القنوات، والنصوص العقابية التي حواها المشروع.
في الجزائر، اعتادت السلطات التضييق على بعض الجرائد من خلال منع الإشهار كما في حالة صحيفة «الخبر»، وإيقاف جريدة «الجزائر نيوز» نهائياً.


اجمع المتخصصون على
أنّ أفراد الهيئة معيّنون،
وعملها غير قانوني

وفي كل مرّة ينفي المسؤولون أن يكون ذلك بدافع التضييق، بل يرون أن المسألة متعلقة بمشاكل مالية لا بحرّية التعبير، كذلك فإنّهم يتخذون من مادّة «المساس بالدولة ورموزها واستقرارها وأمنها الداخلي» شمّاعة لتعليق التجاوزات المفضوحة عليها. تجاوزات شملت توجيه إنذارات شفهية لمجموعة القنوات التلفزيونية الخاصة، وأبرز مثال على ذلك هو إقدام «هيئة ضبط السمعي البصري» أخيراً على وقف برامج «الجزائرية Weekend» على قناة «الجزائرية»، الأمر الذي ولّد جدلاً واسعاً حول شرعيّتها وصدقيّتها (الأخبار 30/4/2015).
ومن أجل الوقوف عند أداء البعبع الذي خلقته السلطة السياسية لخنق القنوات الخاصة، لجأت «الأخبار» إلى متخصصين في مجال الإعلام. أكد أستاذ علوم الإعلام والاتصال في «جامعة الجزائر» نصر الدين العياضي أنّ «هناك الكثير من المفاهيم التي تداخلت بفعل الممارسة الإعلامية تحت سلطة القانون»، مضيفاً أنّه يجب عدم ربط أخلاقيات الممارسة الإعلامية بسلطة قانونية». أما أستاذ العلوم السياسية والعضو السابق في «مجلس أخلاقيات المهنة» (المجلس الأعلى للإعلام) أحسن جاب الله، فسأل عن الدور الحقيقي للهيئات التي أنشئت لتنظيم أخلاقيات المهنة في الجزائر منذ التسعينيات، بداية بـ«المجلس الأعلى للإعلام» وصولاً إلى «هيئة ضبط السمعي االبصري»؟ قبل أن يجيب بأنّها «آليات للتضييق والرقابة»، وتابع قائلاً إنّه لا وجود نظرياً لسلطة ضبط السمعي البصري، لأنّ «أفرادها معيّنون وعملها غير قانوني».
من جهته، تطرّق أستاذ الإعلام في «جامعة الجزائر» رضوان بوجمعة إلى آليات الرقابة الذاتية والمهنية في الغرب، ومعوقات تطبيقها في الجزائر، وتحدّث عن ضبط المهنة من قبل أهلها ومفهوم الرقابة الإعلامية.
وذهب إلى ضرورة استحداث مجالس الصحافة، وهي هيئات جماعية تشرف على مراقبة مدى تطابق قوانين التنظيم الذاتي. واستشهد بتجربة «مجلس الإعلام» في الجزائر، وتجربة الرقابة الذاتية المرتبطة دائماً بهذا المجلس.
وخلص بوجمعة إلى أنّ غياب الرقابة الذاتية والسلطة الرقابية المستقلة، أدى إلى «وجود الكثير من القضايا في مجتمع الصحافة في أروقة المحاكم».
ومن معوقات تطبيق الرقابة الذاتية والمدنية هو انتشار الخروقات في أخلاقيات المهنة، مع اتساع نزعة الإثارة التي تسيطر على الكثير من العناوين الصحافية.
أما عن «هيئة ضبط السمعي البصري»، فاعتبر بوجمعة أنّه لا يوجد فيها أي تمثيل مهني، ولا سيّما أنّ أعضاءها معيّنون بقرارات فوقية، مضيفاً: «لا أعتقد أنّ لها أي صفة قانونية، لأنّه لا وجود لقانون سمعي بصري ينظّم عمل القطاع. وما حصل أخيراً من توجيه إنذارات للقنوات الخاصة، ليس قانونياً. مع العلم أنّ اعتماد هذه القنوات هو من الخارج وليس لديها دفاتر شروط».
كلام أيّده زميله في قسم الإعلام في الجامعة نفسها، الإعلامي جمال بوعجيمي، موضحاً أنّه «بصراحة هيئة ضبط السمعي البصري لا تعمل في فضاء قانوني، بدليل أنّ قانون السمعي البصري الجديد يجيز فتح قنوات خاصة تعمل بوعاء قانوني جزائري، لكنّها في الحقيقة هي قنوات أجنبية. كذلك إنّ أعضاء هذه الهيئة معيّنون».
بدوره، لفت المدير السابق لجريدة «المساء» محمد صالح حرز الله إلى أنّه «إذا تحدّثنا عن دور الهيئة، فإنّنا نقول إنّها لا تعمل بصفة قانونية، بدليل أنّ أعضاءها لم ينتخبهم رجال الصحافة على غرار رئيسها ميلود شرفي. أصلاً لا يوجد قانون حتى توجد هذه الهيئة».