صنعاء | في غرفة العناية المركزة يقبع الشاب اليمني محمد (27 عاماً) الذي بترت قدمه جراء غارة سعودية استهدفت شاحنة لنقل مواد غذائية في مدينة يريم وسط اليمن. محمد أصيب إثر الغارة بحروق بالغة في جسمه مع شظايا استقرت في الرقبة والرأس والظهر، لكن مستشفى الثورة في صنعاء الذي نقل إليه يعجز الأطباء فيه عن إجراء العمليات الضرورية له.

وباتت مستشفيات اليمن عاجزة عن إنقاذ أرواح مئات الضحايا اليمنيين جراء العدوان السعودي، ويزيد على معاناة المصابين فقد الإمكانات الطبية أصلاً، في ظل الأعداد الكبيرة، فضلاً عن الحظر الجوي الذي يحول دون نقل الضحايا من ذوي الإصابات الحرجة لتلقي العلاج في الخارج.

الحاج عبد الصمد العسكري، وهو والد محمد، يقول إن الأطباء أخبروه أن ابنه يحتاج عدة عمليات جراحية في الخارج، وهذا المطلب شبه مستحيل، إذ يستصعب الأب نقل ابنه فيما «السعودية تقصفنا من الجو وتحاصرنا على الأرض»!

نقص حاد في الأدوية بسبب الحظر والمخزون قد لا يكفي لشهرين

و«الثورة» أحد المستشفات المليئة بالجرحى جراء العدوان ومن قبله التفجيرات الانتحارية التي استهدفت المصلين في العاصمة قبل بدء الحرب الجوية بأسبوع. يقول طبيب الجراحة العامة في جامعة صنعاء والمدير العام المساعد لهيئة المستشفى، عبد اللطيف أبو طالب، إن المأساة تطاول المستشفيات الحكومية الأخرى، وخاصة أن الكادر الأجنبي من الأطباء والممرضين قد غادر البلاد من بداية العدوان السعودي، فيما يستعد من بقي منهم للمغادرة عبر المنظمات الدولية.
هذا الوضع، كما يقول أبو طالب، يفرض حملاً ثقيلاً على الكادر اليمني الذي ضاعف مناوبات عمل، ولكنه يؤكد أنهم في «الثورة» (أكبر مستشفى حكومي في اليمن) قادرون على استقبال عدد كبير من الجرحى والتعامل مع إصاباتهم، محذراً من أن مخزون الأدوية لن يكفي لمدة طويلة إذا طال العدوان. وقدر في الوقت نفسه أنهم يمكنهم الصمود حتى شهرين أو ثلاثة «إذا لم يزد عدد الإصابات»، خاصة أن «الشركات الطبية المحلية لا تملك مخزوناً كبيراً في ظل منع الاستيراد».
هو الأمر نفسه الذي يؤكده المدير التنفيذي في شركة أدوية محلية، ويدعى ياسر العبسي، إذ لم يخف مخاوفه من تحول المأساة التي فرضها العدوان إلى كارثة صحية كبيرة في اليمن. يقول العبسي إن مخزون شركته والشركات الأخرى لا يمكن أن يغطي الطلب المحلي لأكثر من ثلاثة أشهر، ولا سيما أن العدوان قد يتسع. وفوق عائق منع الاستيراد بسبب محاصرة الموانئ، يفيد العبسي بأنه إذا سمح للسفن المحملة بالأدوية بالمرور عبر المنافذ، فإن قدرة الشركات المحلية على الشراء ضعيفة في ظل اشتراط الشركات المصدرة تحصيل أموالها مسبقاً، وذلك في ظل غياب العملة الصعبة وامتناع البنوك المحلية عن فتح اعتمادات بنكية للشركات.
الحال نفسها تتكرر في مستشفى الكويت في صنعاء، وهو يستقبل أعداداً كبيرة من الجرحى إلى حد عجز العاملون هناك عن تقديم الإسعافات للجرحى، فيما كانت آخر الدفعات التي نقلت إلى الخارج المصابين من تفجير المسجدين، قبل بدء العدوان، إلى سلطنة عمان والجمهورية الإسلامية في إيران، وبلغ عددهم قرابة المئة.
يوضح أحد الأطباء أن الإصابات التي يخلفها الطيران تكون أخطر من الإصابات الناتجة من التفجيرات الانتحارية أو المواجهات المسلحة، محذراً من أنه إذا لم ينته الحظر الجوي فإن هؤلاء المصابين سيكونون في حكم الذي ينتظر الموت.
زيادة على ذلك، يؤكد أحد المسؤولين في مستشفى العلوم والتكنولوجيا الخاص، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن المستشفيات أصبحت ضمن أهداف العدوان السعودي «الذي يريد أن يمارس الضغط لأسباب سياسية ومن أجل مفاقمة الوضع الكارثي عبر منع نقل الجرحى إلى الخارج، وكذلك استهداف الطيران السعودي للمستشفيات». ويضيف: «استهداف المستشفيات مباشرة لم يكن من قبيل الخطأ، فقد تكرر ذلك أكثر من مرة». وكان «العلوم والتكنولوجيا» قد تعرض للقصف وسقطت عليه قذائف أدت إلى وقوع عدد من الإصابات الخطيرة والمتوسطة، وكذلك الحال مع مستشفى 48 في العاصمة الذي تعرض للقصف أكثر من مرة واستشهد ثلاثة من حراسه وجرح خمسة آخرون، في وقت أعلنت فيه منظمة الصليب الأحمر الدولية أن الرياض «منعت طائرة محملة بالأدوية والمستلزمات الطبية من الهبوط في صنعاء»، كذلك لم تحصل المنظمة على «الضمانات الكافية كي تحط طائرتها في المطار»، علماً بأن السعودية لم تستجب لنداءات «الصليب الأحمر» حتى الآن.