صنعاء | بالتزامن مع العدوان الذي تقوده السعودية على اليمن، برزت مخاوف أمام اليمنيين من حدوث أزمة خانقة في توفير الحاجات الضرورية، من غذاء وماء ودواء، ما قد يضاعف معاناتهم، خصوصاً في حال استمرار هذه الحرب لوقت طويل.

ومعروف أن هذا البلد لم يشهد استقراراً في تاريخه الحديث، تحديداً خلال نصف قرن عانى فيه من حروب داخلية طويلة تكيّف معها المواطن، إلى درجه أنه في كل مرة تنخفض استجابته للقلق وسعيه إلى تخزين المواد الغذائية، وخصوصاً مادة القمح.

ووفق إحصائية نشرها الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط اليمنية، بلغت كميات القمح التي استوردها اليمن خلال العام الماضي 2014 مليونين و955 ألف طن، فيما يُتوقع أن تزيد احتياجات اليمن من هذه المادة، للعام الحالي، بنسبة بسيطة عن العام السابق.
وقبل أن يعلن مسؤولون خليجيون أن أقصى أمد للحرب على اليمن مقدّر بستة أشهر، كانت وزارة التجارة والصناعة اليمنية قد أعلنت بدورها، في اليوم الأول للحرب، أن اليمن يمتلك مخزوناً غذائياً يكفي السوق المحلية لمدة 6 أشهر على الأقل. وجاء هذا الإعلان نتيجة اجتماع بين وزارة التجارة والصناعة وممثلين عن الدائرة الاقتصادي التابعة لجماعة «أنصار الله».

المخزون الاستراتيجي من مختلف السلع الغذائية مطمئن لفترة بين 5 و7 أشهر

في هذا السياق، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة التجارة والصناعة محمد عبد اللطيف لـ«الأخبار»، إن «المخزون الاستراتيجي من مختلف السلع الغذائية، في حدوده الآمنة ومطمئن لفترة تراوح بين 5 و7 أشهر». «مخزون اليمن من السكر، مثلاً، يكفي نحو 8 أشهر، أما الأرز فـ6 أشهر والحليب 3 أشهر تقريباً»، وفق عبد اللطيف الذي أشار إلى أن «البقوليات تتوافر لمدة 7 أشهر والزيوت النباتية لنحو 14 شهراً».
وكشف عبد اللطيف عن توجهات الوزارة إلى توفير المخزون الغذائي، للفترات المقبلة، عبر الاهتمام بالإنتاج المحلي الذي يعاني من الإهمال ومواصلة عملية الاستيراد لتغطية احتياجات السوق المحلية ولتفادي حدوث أزمة.
كذلك، أكد القيادي في جماعة «أنصار الله» ضيف الله الشامي، أن الأرقام المعبّرة عن المخزون الغذائي من القمح والمواد الغذائية مطمئنة، موضحاً أنه «لا توجد مخاوف من نشوب أزمة غذائية تفاقم الوضع في اليمن جراء الحرب».
هذه التطمينات لم تمنع من تنامي الشعور بالقلق، وهو ما أبداه الخبير السابق لدى منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» حسن الصالحي، الذي رأى أن الحرب السعودية على اليمن إضافة إلى الصراعات الداخلية «سيكون لها تأثيرها السلبي على حركة النقل، وهو ما قد يحول دون توزيع السلع الغذائية في مختلف المدن والقرى».
وأشار الصالحي إلى أن الأزمات المتكرّرة التي عانت منها الأسواق المحلّية وعجزت عن توفير المشتقات النفطية، «لم تكن لانعدام هذه المشتقات، بل بسبب الصراعات السياسية والاعتداءات القبلية على آبار النفط وناقلاته أو احتجازها ومنعها من المرور». وهو ما ينطبق أيضاً على حركة نقل السلع الغذائية إلى المناطق المختلفة، خصوصاً تلك التي ترزح تحت وطأة القصف السعودي أو التي تشهد صراعات داخلية مسلّحة، مثل البيضاء ومأرب وعدن وصعدة وغيرها.
في هذه الأثناء، تشهد أسواق صنعاء حركة طبيعية، رغم أن هناك إقبالاً كبيراً على شراء السلع الغذائية الضرورية. المدير المالي في المجمع التجاري «ظمران» علي السودي، قال إن إقبال الناس على شراء السلع الغذائية تزايد إلى حد ما، مشيراً إلى أن البعض سعى إلى مضاعفة ما يبتاعه من قمح وسكر وأرز وغيرها.
ولكن السودي أشار أيضاً إلى أن «هناك بعض العوامل التي لم تدفع الناس إلى شراء المواد الضرورية، ومنها اعتيادهم الصراعات المسلّحة، إضافة إلى عدم قدرتهم على توفير المال الكافي لشراء هذه المواد وتخزينها بنحو كبير».
رغم ذلك يبقى الاتكال الأساسي على السياسة التي تؤدي دوراً رئيسياً في الاقتصاد. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الذي لم تتوقع فيه «جماعة أنصار الله» التدخل الخارجي، من خلال الحرب المباشرة، إلا أن مخاوف كبيرة برزت لديها من فرض حصار اقتصادي على اليمن، تقوده السعودية رداً على سيطرة الجماعة على مفاصل الدولة. وبناءً عليه، سارعت «أنصار الله» إلى البحث عن بدائل اقتصادية وعلاقات تجارية مع دول أخرى، بعيدة عن الهيمنة السعودية.
ومنذ مغادرة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي العاصمة صنعاء إلى عدن، أوائل العام الحالي، بدأت حركة «انصار الله» التحرّك باتجاه روسيا وإيران، وتبادلت الزيارات معهما. ونتج من الزيارات التي اتخذت طابعاً حكومياً اتفاقات اقتصادية طويلة الأمد وتوسيع الحركة التجارية بين اليمن وروسيا وإيران.
وبموجب هذه الزيارات أيضاً، وقّع الجانب اليمني اتفاقات تعهّدت إيران بموجبها بتأمين احتياجات اليمن من النفط لمدة عام، وكذلك إنشاء محطات كهربائية وتطوير الموانئ اليمنية.
تحركات أنصار الله قابلها تحركات مضادة للخصوم السياسيين المرتبطين بالسعودية، من ضمنهم «حزب الإصلاح» (الإخوان المسلمين).
وبحسب معلومات خاصة، فمع بداية الحرب السعودية على اليمن سعى «حزب الإصلاح»، الذي تربطه علاقات جيدة بكبار التجار والمستوردين اليمنيين، إلى الإيعاز إليهم بإخفاء القمح من السوق إضافة إلى مواد غذائية أخرى.
والحقيقة أن «حزب الإصلاح» لديه تجارب عديدة في هذا المضمار، فقد كان متهماً بالوقوف وراء انعدام المشتقات النفطية لمدة تزيد على 7 أشهر من السوق المحلّية، في فترة كان الحزب فيها مستحوذاً على الحكومة اليمنية بموجب «المبادرة الخليجية».