يمتدّ «حيّ الكُرد» من قلب منطقة برج البراجنة. يمتزج صوت ناسه مع ضجّة التزاحم في الخارج، حتى يصعب تمييز اختلافه عن سائر الأحياء. يمكن للغريب الذي يزور المنطقة، أن يتوه عنه في البداية، بسبب تلاصق المحال وكثافة الناس وضيق الشوارع. لكن بمجرد أن تسأل أحد المارّين عن اتجاه «حيّ الكْراد» كما يسمّونه، سيدلّك فوراً. تشعر أن في التسمية شيئاً من «البُعد»، والتفافاً تلقائيّاً لمجموعة من الناس في مكان واحد، نوعاً من «غيتو».


ذلك رغم أن أهل المنطقة ما عادوا ينتبهون إلى أن الكُرد القاطنين هنا هم «غرباء». الحيّ ساكن بعد الظهر. تخفت ضجّة الخارج شيئاً فشيئاً بعد أن تخطو بضع خطوات داخل الحيّ الصغير. صور شهداء وأوراق نعوات مقشّرة ملتصقة على الجدران الرماديّة، أسماء ممحيّة من البلل، ووجوه نَضُرت ملامحها. شرفات تكاد تكون متلاصقة لقرب الأبنية بعضها من بعض، حتى يُرخي الفقر معالمه. تمرّ امرأتان على عجل، تلبسان زيّاً بدوياً وحجاباً أبيض يلفّ الرأس بأطراف محشورة تحت كنزتي الصوف الملوّنتين. وأخريات يشبكن أحاديث على الشرفات، فيما تنده الأم من بيتها لطفلها «الشارد» في الشارع منذ الصباح، فيدلّك امتزاج لهجات عدّة في كلامها على أنها من ضمن «غرباء» المنطقة. في الواقع، تختلف الأمور. الغربة ليست غربة اللغة. يشدّ رجل ثمانينيّ على رأس عكّازه بكفّه المرتجف ويطرقها بالأرض عدّة مرّات، في إشارة ترحيبيّة لزائري الحيّ. يُسرع خطواته إلى صاحب دكّان صغير، يقول إن «حكايات الحيّ كلّها عنده». يروي زهير ترحيني (54 عاماً) شيئاً من تاريخ نشأة الحي. ملكيّته تعود بالأصل إلى جدّه أحمد السباعي، وأن اسم الحيّ بالأصل هو «حيّ السّباعي»، لكن «بعد مجيء الكُرد إلى الحيّ في الخمسينيات، وانتشارهم الواسع فيه، تغيّر اسمه إلى حيّ الكُرد، وذلك بعدما بدأت عائلات كرديّة كبيرة تشتري بيوتاً فيه». وأبرز هذه العائلات هي: العمري، شاهين، علي خان، عزيز، خلّو، والشيخ موسى. يلفت ترحيني إلى أن عدداً كبيراً من العائلات الكرديّة توزع انتشارها في ما بعد خارج الحي، ومنهم من هاجر إلى الخارج، حتى انتفت الهوية الكردية الكلية عن الحي وتنوعت هويّاته بين كُرد وسوريين وفلسطينيين ولبنانيين وأتراك. تُحكم امرأة أربعينية لفّ حجابها السميك حول وجهها حين ترى ضيوفاً في الحيّ. تنظر بطرف عينها إليهم، فيما تُكمل حديثها مع جارتها. تضحك عند سؤالها عن اسمها. تقول: لا أحد يعرف اسمها في الحيّ: «عايشة لحالي بحالي وما بدّي حدا يعرف عنّي شي». هي تركيّة الأصل، جاءت إلى لبنان مع أمّها وإخوتها حين كانت في السادسة، بعدما ضاقت الأحوال المادية بهم واضطروا إلى الهجرة بغرض البحث عن سبل للعيش. تحمل الجنسيتين اللبنانية والتركية، وتؤكد أن علاقة الناس بعضهم مع بعض في الحيّ وديّة جداً... «حتّى إني عشت مع امرأة لبنانية من الجنوب ولم يُشعر أحد الآخر بأي أفضلية أو تمايز».
يعلو صوت نَشر الخشب من المعمل على صمت الشارع. تركن مجموعة من الرجال في محلّ معتم يُطلّ على المارّة. يلفّ كل واحد منهم كفّيه حول كوب شاي ساخن. ويسترسلون بالسرد كما يفعل بخار الأكواب في الجوّ. «نحن من عائلة نَصرة، متحدرون من مدينة ماردين في تركيا، لكن أصلنا عربي، أجدادنا أصلهم من العراق وسوريا. كنّا نقطن في مدينة بيروت قبل مجيئنا إلى الحيّ. أما عائلة العمري فهم كُرد بالأصل، أتوا إلى لبنان في الستينيات، حتى استقرّوا أخيراً هنا، وهم من أكبر العائلات الكرديّة في الحيّ. منهم من يحمل الجنسية اللبنانية، ومنهم من لم يحصل عليها بعد. وكان أول بيت كردي في الحي لرجل يدعى «درويش العمري».
في الحي مدرسة وجامع ومستوصف كمستلزمات أساسية للعيش فيه. يقول أهل الحي إنهم عمّروها من مالهم الخاص ومن بعض المساعدات من الخارج. ويصفون وجود الحيّ في قلب منطقة الضاحية الجنوبية بأنه «نعمة»، لأنهم تعرفوا إلى جيران «أوادم»، ولم يتعرض لهم أحد، بل على العكس، «حزب الله وحركة أمل عملا على حمايتنا في أوقات كثيرة كنّا فيها عرضة للتهديد بسبب التوترات السياسية والأمنية في البلد». في الوقت نفسه، ينتمي أبناء الحيّ إلى تيارات سياسية مختلفة، فهناك جمعية المشاريع والجماعة الإسلامية وتيار المستقبل وحزب الله وحركة أمل، يقول زاهر (35 عاماً) أحد سكّان الحيّ. ويرفض زاهر «الصيت»، المنتشر عن بعض شباب الحيّ بأنهم «مشكلجيّة»، ويؤكد أن الجو هادئ جداً؛ على عكس ما يشاع عن أن هناك مشاكل كثيرة تحدث بين الكُرد واللبنانيين، في وقت لا تتدخل فيه القوات الأمنية بمشاكل الحيّ، «إلا في حال وقوع جريمة قتل أو إشكال مسلّح». وجود الناس في هذا الحيّ الصغير كان له «ضريبة»، حيث «استغلّ إمام الجامع في الحيّ لفترة معينة ذلك، وراح يوجّه الشباب لأفكار وتيارات إسلامية لا مصلحة للحيّ بها»، وفيما رفض زاهر التفصيل بالحادثة، أردف أنهم سعوا إلى إبعاده حتى صار ذلك.
تغلب على الحيّ المهن البدائيّة. أهمّها معامل الخشب ومحال الحلاقة والسمانة والخُضَر، فيما يؤكد أبو نبيل (50 عاماً)، أن غالبية كُرد الحيّ لهم شقق ومصالح في مناطق أخرى، كالتجارة والهندسة وإدارة الأعمال. لم يبد بعض قاطني الحيّ انتماءً فعلياً إليه، هم منفتحون على الحياة اليومية في بيروت وضواحيها، من دون الرغبة في تأطير مكانهم بأي مسمّى يدلّ على جنسيتهم أو عرقهم: «ما يميّزنا هو حنكة الانصهار في المصالح العامة، لا الهويّات»، يُجمعون.