كأن شيئاً لم يكن


كجميع الكُرد، يحلم بدولة كردستان، حيث يكون مواطناً «كاملاً غير مهمّش»، كما «كانت الحال في سوريا». يشرح لنا بعربية ثقيلة، كيف أنه، «مواطن سوري». يحمل الهوية السورية. عاش هو وأجداده في سوريا. لكن إحساسه دوماً بأنه «أقل» من المواطن السوري العربي، وهذا ما دفعه للمشاركة في تحركات عديدة وتنظيمات سرية، مع من هم مثله يحلمون بكردستان. بحسب إبراهيم، أول من قال بدولة كردستان هو مدحت بدرخان في القرن الثامن عشر. وما زالت الدولة الحلم هي أمله وأمل جميع الكُرد.

حلم دولة خاصة بهم يتكلمون لغتهم بكامل حرية ويشغلون المناصب والوظائف كافة. يذكر إبراهيم، كيف أنه، في الثمانينيات، «في عهد رفعت الأسد، كان ممنوعاً عليهم التكلم بلغتهم في الأماكن العامة والدوائر الرسمية». لكن هذا الوضع تغير في تسعينيات القرن الماضي. ويشرح ابراهيم بأن حياة الطفل الكردي في المدرسة، هي حياة طبيعية، لكن التفرقة تبدأ في الجامعة، حيث يبرز «التفضيل والمحسوبيات». ويؤكد ابراهيم بأنّه كان يستحيل على أي مواطن سوري كردي أن يدرس اختصاصاً مهماً في الجامعة، أو أن يشغل وظيفة حكومية إذا لم يكن بعثيّاً/ لكن بحسب إبراهيم «الكردي عندما ينضم للبعثيين، ينسى القضية الأم، ينسى كردستان». لطالما اختبر أبناء القرية، قرية عفرين هذه التفرقة، لجهة الدعم الذي كان مقدماً للمزارعين السوريين العرب الذي هو أكبر بكثير من الدعم الذي يحصل عليه المواطن السوري من أصل كردي. ويضيف ابراهيم بأن «هناك نحو 320 ألف كردي سوري بلا أوراق ثبوتية، محرومون من الهوية». يتذكر إبراهيم بحسرة الجريمة التي حدثت في العام 2005 وأودت بحياة حوالى أربعين كردياً، على أيدي بعض العشائر في القامشلي، كثأر لفوزهم عليهم بمباراة لكرة القدم. يزعج إبراهيم الأمر كثيراً لأن «المجزرة كما أسماها كانت بتغطية أمنية، وبأنهم ككُرد رضخوا ولم تنجح هذه المجزرة بتوحيدهم للمطالبة بأمر بديهي وهو معاقبة القتلة الذين كانوا معروفين»، لكنهم «ضبضبوا الموضوع كأن شيئاً لم يكن».
ابراهيم (45 سنة) ــ عفرين

وداعاً أيها السلاح

يتذكر جودي المسن أيامه الجميلة في القامشلي، ويعتز بسوريته، وبكونه جزءاً من هذه «الدولة العظيمة» التي لطالما «كيّعت العالم» على حد قوله. لكن كردستان هي أمر آخر: «حلم كل كردي وإن شاء الله سيأتي اليوم الذي تقوم فيه هذه الدولة». يقول جودي بأنه مسالم كجميع كُرد سوريا... «نحن ما منحب نحمل سلاح، ولا مرة كان بدنا نحمل سلاح». ويوضح بأن كُرد سوريا هم «غير كُرد العراق وتركيا». كُرد سوريا ــ على ذمته ــ لا يريدون الحرب. «الدم ما بيعمل دولة، الدم ما بجيب غير الدم». جودي على يقين بأنه لن يعيش إلى اليوم الذي تتحقق به دولتهم، ولكنه يتمنى أن يعيش أحفاده هذا الحلم وتكون لهم دولة «حقيقية» خاصة بهم. لم يتذمر جودي من أية تفرقة بحق الكُرد في سوريا... «طالما المشافي والمدارس للكل، شو بدنا أكتر». جودي يحب سوريا كثيراً ويتألم لأحوالها اليوم، ولا يريد أي تقسيم لأن التقسيم يعني النهاية. لكن كردستان هي الوطن.
(جودي ــ القامشلي)

نار النوروز

كردستان هي «المنى»، على حد قول جانيار، وهي حلم كل كردي. الكردية هي اللغة التي ورثها أباً عن جد، ويلقنها لأولاده. وواجب على كل كردي تعليمها لأولاده جيلاً بعد جيل للوصول إلى كردستان. لجانيار 7 أولاد. الصغار منهم لا يتكلمون العربية ولا يفهمونها. لأن العربية لا يتعلمها الكردي إلا في المدرسة. طالما هو في المنزل وفي بيئة كردية، لا يحتاج إلى العربية. ويتساءل جودي «لم لا تدرّس الكردية في المدارس كسائر اللغات الأجنبية الأخرى؟». يخبرنا جودي بأنه كان ممنوعاً عليهم أن يتحدثوا بلغتهم، فما بالكم بتعليمها!؟ ويضحك. لم يشعر جانيار يوماً بأنه مختلف عن غيره من السوريين العرب: «نحن عنّا، مو متل عنكن. عنّا ما في تفرقة ما في عنصرية ولا تعصّب، ما في هاد كردي، هاد عربي هاد مسيحي، هاد علوي... بسوريا كلنا سوريين وبس». ويكرر: «نحن مو متل هون بلبنان»، موضحاً أن التفرقة في سوريا يختبرها الكردي «من جانب السلطة فحسب، لجهة الوظائف والتعليم العالي... والاحتفال بعيد «النوروز»». إذ أنه في عيد النوروز (العيد الوحيد الذي يحتفل به الكُرد في 21 آذار من كل عام، ويعتبرونه العيد القومي) كان ممنوعاّ عليهم إشعال النار التي هي إحدى طقوس هذا العيد، وكان رجال الأمن يلقون القبض على كل من يتجرأ ويشعل النار أمام بيته في هذا النهار. يقول جانيار، إنه إذا ما أراد أحدهم أذية أحد ما، كان يكفي أن يشعل النار أمام منزله ويهرب، ليأتي رجال الأمن فيما بعد. واسترسل جانيار، قائلاً: «حتى يمنعونا نحتفل بالعيد، عيدنا. عملوا عيد الأم بنفس اليوم وجعلوه عطلة رسمية، فقط لإغاظتنا». يظن أن الأمور جرت على هذا النحو.
(جانيار ــ الحسكة)