كان ذلك قبل سبعين عاماً، عندما كان الزواج هو «زواجة الدهر». أو كما يحلو للجدّات توصيفه بزواج «الروحة اللي ما بعدها رجعة».

كان ذلك قبل سبعين عاماً، حينما ودّع الوالد ابنته ليلة الزفاف، مشيراً بيده إلى عتبة البيت الذي ستخرج منه لتعود إليه مجرّد زائرة. تتذكر مريم، المثقلة بثمانين عاماً، تلك اليد التي أشارت إلى العتبة ليلة زفاف شقيقتها، والعبارة التي لا تزال عالقة في رأسها «بترجعي زيارة، وغير هيك ما بتفوتي».

يومها، التزمت الشابة بقول والدها، وإن كان على مضض، فالعودة إلى المنزل مطلّقة «عيب»، تقول مريم. لكن، في لحظة ما، قررت الشقيقة التي تزوجت في عمر الخامسة عشرة أن تترك زوجها، فكانت النتيجة أن «قامت الدنيا ولم تقعد في بيتنا، كنا نسمع بأنه عيب على البنت تتطلق، لأن أول ما تترك بتصير سيرتها على كل لسان».

مريم التي تزوّجت في عمر صغير، كما شقيقتها، ندمت سراً على «زواجة الدهر»... ومن دون «شوشرة». ومثلها فعلت أم محمد التي تتحسّر على ست وسبعين سنة مضت. تتذكر أم محمد «أيّام ما كان الوالد يتنفّس الصعداء كلما تقدم شاب لخطبة أحد البنات، وكان عادة يزوّجها لأول المتقدمين قبل أن تكمل عامها الخامس عشر»، يعني «زواجة روحة بلا رجعة».
تزوجت «الصبية» كما أخواتها. في عمر مبكر. وعندما فكّرت بالانفصال عن زوجها كان «على يديها أربعة أطفال»، وهي لم تكن قد تخطت الخامسة والعشرين من عمرها. لكن، حينذاك، لم تدرِ إلى أن ستذهب، فليس لديها منزل آخر يؤويها، ووالدها لن يستقبلها حتماً. سُدّ الأفق في وجهها، فاختارت أن تتحمل «المرّ وقعدت عاقلة»، تقول. تتذكر بأنها عندما فاتحت والدتها بالموضوع، «قالتلي يا إمّي كلي قتلة كل يوم أحسن ما يسير اسمك مطلقة والعالم كلها تحكي عليكي».

■ ■ ■


مرّت ثلاثون سنة. تعدّل الواقع قليلاً، وإن حافظ على بعض «الخصال الرجعية». مثلاً، عندما قررت منى (47 سنة) الانفصال عن زوجها، اضطرّت للابتعاد عن الضيعة فترة، إلى أن تهدأ «الألسنة»...

«قالتلي يا إمّي كلي
قتلة كل يوم أحسن ما يسير اسمك مطلقة والعالم كلها تحكي عليكي»
أو إلى حين «أن يقرر أحد آخر الانفصال، وينقل اللّت والعجن إليه»، تقول. أما إلهام، التي صار لها من العمر 59 سنة، فقد ترددت كثيراً قبل أن تقدم على خطوة الانفصال. في حينها «كان عمري ثلاثين سنة، حين تركت البيت وذهبت إلى أهلي، فأوّل شي بييّ قلّلي ياه أهلا وسهلا بس توقعي ولادك ما تشوفيهن، ونحنا ما بدنا نفوت بمحاكم ووجع راس». تتابع: «كان عندي 3 ولاد وقتها. حكياتو كسروني، فرجعت لبيت زوجي كرمال ما اخسر ولادي». كان ذلك الخيار الأسلم. مع ذلك، استمر الكرّ والفرّ عشرين عاماً، الى أن بات «الوضع لا يطاق، زادوا الولاد وكبروا، ما عدت خاف اخسرهن، فتطلقت». لكن، هل تغيرّت نظرة المجتمع عن تلك التي كانت سائدة؟ «نظرة المجتمع لا ترحم»، ثم تردف: «عندما انفصلت وانتقلت إلى منزل آخر مع اثنين من أولادي، لمست قسوة المجتمع على المطلقة، النسوان بتصير تغار على رجالها وتخاف عليهن منك، والرجال بتصير تتمادى معك».

■ ■ ■


ثلاثون عاماً إضافية. الأوفر حظاً كان «جيل الانترنت». تقول ملاك، ابنة العشرين سنة، أن قرار الانفصال كان بيدها وأن أهلها شجعوها على ذلك «كان عقلو مسكّر ومعقّد، وبدو يفرض حالو عليي ويعمل فيها سي سيّد». لم تختلف عائلة نادين في الرأي أيضاً، فقد ساندت ابنتها إلى النهاية. وهي، لم تسمع «ولا كلمة سوء، الكل بيعرفو، كان يعمل حالو آدمي بالنهار، وبالليل يروح يسكر ويحشّش».
طلّقت نادين، ولكنها ستتزوّج هذا الصيف، فالحياة «لا تقف على علاقة فاشلة». ربما، كانت جدة نادين انتحرت «لو علمت بالحرية التي تتمتع بها فتيات هذا الجيل».

«عندما انفصلت
وانتقلت إلى منزل آخر لمست قسوة المجتمع على المطلّقة والرجال بتصير تتمادى معك»
بدورها، فاطمة لم تشعر للحظة أن الخطوة «غلط»، خصوصاً أن «عائلتي لم تشعرني بشيء، بل على العكس ساندتني ووقفت إلى جانبي وكذلك الجيران والأصحاب».

■ ■ ■


«تضحيات الأجيال السابقة هي التي عبّدت الطريق لنيلنا ونيل بناتنا هذه الحرية»، تقول الباحثة في علم الاجتماع هنى فضل الله. أكثر من ذلك، هناك عوامل أخرى ساهمت، لعلّ أهمّها «التعليم وحرية العمل والاستقلالية المادية والسفر وتحصيل مراتب عالية من العلم دعم موقف الفتيات وأتاح لهن فرص التحرر من قيود الرجل».
تعود فضل الله إلى تلك السنوات التي كان فيها الطلاق «عيباً»، فتشير إلى أن ذلك كان يحدث «حين لم تكن تجد المرأة سنداً معنوياً كأهلها ومنزلاً آخر يأويها ووظيفة تؤمن لها أقلّه قوتها وقوت أولادها، لم تكن تقدر على الانفصال، وكانت تقبل المر خوفاً من الأمرّ». أما اليوم، فقد تغيّر المفهوم. لم يعد الطلاق «عيباً». صار الطلاق نتاجاً طبيعياً من علاقة «فشلت». هكذا، ببساطة.