ثمانون عاماً. ألم تملّ بعد؟

ـــ كل عمري كنت خائفاً من أن أقرف، لكنني أتذكّر دائماً انني يجب ألّا أفعل. عليّ واجبات تمليها خيارات الناس السياسية وحجم المؤيدين. من يكن في وضعي فعليه أن يعمل ويعمل ويعمل حتى يُستشهد سياسياً. عندما يُستشهد يكون قد خسر المعركة، وعندها عذره معه. بالطبع وصلت الى درجة القرف، لكنني آخذ حبوباً ضد «اللعيان».

■ أنت صاحب مقولة: «يستطيع العالم ان يسحقني، ولكن لن يأخذ توقيعي». منذ عدت من المنفى، ألم توقّع لأحد؟
ــــ بلى. وقّعت لميشال سليمان في الدوحة. كانت تجربة غنية جداً، وكل الوعود نُفّذت!
■ ألم تقدّم تنازلات من أجل التقارب السياسي مع الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع؟ لم نعد نسمع بكتاب «الإبراء المستحيل»، ولا باتهاماتكم لجعجع بتضييع حقوق المسيحيين. أليست هذه تنازلات؟
ـــ لا. أبداً. «الإبراء المستحيل» هو اليوم علم وخبر وحُوّل الملف الى المدعي العام المالي. في وزارة الاتصالات، مثلاً، أعددنا أيضاً ملفّاً بالمخالفات، وحوّلناه الى المدعي العام المالي.

■ هل تقول بذلك للرئيس سعد الحريري إنه إذا انتخبك رئيساً فستحرّك ملفات كـ «الإبراء المستحيل» وملف الـ 11 مليار دولار؟
ــ إذا انتخبت رئيساً فسأحرّك نظام المحاسبة. أفعّل التفتيش القضائي. وعندها النظام هو من يتابع هذه الأمور أوتوماتيكياً لأن هذا عمله أصلاً...

■ ألا يخيف مثل هذا الكلام خصومك، وبالتالي يبعدك عن الرئاسة؟
ـ أنا أحاسب الجميع على ما يقولونه. الجميع يريد تغيير النظام.
■ هناك شعور بأنك تطرح قضايا وشعارات كبرى، لكنك تتراجع عنها في سبيل الوصول الى بعبدا؟
ــ هذا ليس صحيحاً. نطرح العناوين الكبيرة لتوعية الناس وجعلها موضع نقاش. في النظام الديموقراطي لا يمكنك أن تصفّق وحدك. لا أتراجع أبداً، والدليل أنني عندما تسنح الفرصة أعيد طرحها.


تنازلت مرة واحدة
لميشال سليمان وانظروا ماذا كانت النتيجة
■ الوصول الى السلطة، بالنسبة اليك، هل اصبح هدفاً في حد ذاته، تجري حوارات وتعقد تحالفات من أجله؟
ــــ الوصول ليس غاية، وانما وسيلة لنحقق ما نطمح اليه. في لبنان أينما تضع يدك تجد أموراً تحتاج الى اصلاحها. «ماشي» البلد كسفينة تائهة تحتاج الى بوصلة. في الوزارات التي تسلّمناها قاتلنا من أجل إقرار طريقة عمل، ولكن هناك دائماً سدود في وجهنا. خذ الكهرباء، مثلاً. خسّرت الدولة 28 مليار دولار. وضعنا خطة شاملة في 2010 كانت تكلف اربعة ملايين دولار وتعطينا 4 آلاف ميغاوات. مع التأخير فاقت خسارتنا السنوية بين الدولة والقطاع الخاص الستة مليارات. لم نستطع أن نمرّر هذه الفكرة. في المياه الأمر نفسه كذلك. هل يعقل أن اكبر خزان مياه في الشرق الاوسط يعطش في الصيف؟ وضعنا خطة للمياه لكنها عُرقلت أيضاً. عملنا على مشروع غاز يخفض كلفة الطاقة من الدخل من 15 في المئة الى ما بين سبعة وثمانية في المئة، لكنه جُمّد أيضاً في اللجان المشتركة. اقترحنا قانوناً لمحكمة متخصصة في الجرائم المالية، فنام في الأدراج، وكذلك الأمر بالنسبة الى قانون فصل النيابة عن الوزارة وخطة ضبط النفقات وإعادة النظر في نظام الضرائب بما يوقف سرقة الدولة. هذه كلها ليست افكاراً، وانما مشاريع قوانين. لكنها كلها عرقلت. ماذا يمكنني أن أفعل؟

■ لكنك لن تحكم وحدك، وإنما بالمشاركة مع الطبقة السياسية نفسها التي سبّبت كل هذا التسيّب. هل تتوقّع فعلاً أن تنفّذ ما تعد به؟
ـــ أنا لست كغيري. لديّ سلطة تمثيلية و25 نائباً أفعّلهم في مجلس النواب. عندما أكون رئيساً لن يكون أحد قادراً على العرقلة. الكل في حاجة الى توقيعي.

■ هل حان وقت تغيير النظام السياسي؟
ـــ في النظام علل كثيرة، ولكن عند المطالبة تقوم القيامة، كما يحدث عندما يهبّ الجميع مع كل اشارة الى تعديل، ولو فاصلة، في اتفاق الطائف.

■ هل يحفظ النظام الطائفي للمسيحيين ثباتهم واستقرارهم أم أننا بحاجة الى شيء آخر؟

بين الشرق والخط الإسرائيلي الأميركي اخترت جذوري
ــــ جرّبنا كل الأنظمة. في النظام الطائفي، ما «في طائفة مشي حالها». نعم نحن في حاجة الى شيء آخر، ولكن هل نمهّد لهذا الشيء الآخر بالتمديد؟ أي نظام جديد يجب أن نمهد له انطلاقاً من النظام الطائفي، ولكن وفق مبدأ الكفاءة، أي أن تأتي كل طائفة بالأكفاء، لا وفق الولاء السياسي. عندما يُطبق مبدأ الكفاءة، نصل الى اطمئنان إلى أن الكفاءة هي المعيار، وعندها يصبح الخروج من الطائفة سهلاً. اليوم هذا لا يحصل. ما يحصل هو، على ما يقول الرئيس نبيه بري: عالسكين يا بطيخ. كلّ يأخذ حصته.
مراجعة المرحلة الماضية
■ بين العماد عون في الثمانينيات، والعماد عون اليوم، نلاحظ فرقاً. المرونة التي تقارب بها الأمور اليوم لم تكن موجودة يوم قررت تحدي الجميع، وأعلنت «حرب التحرير»؟
ــــ ليس الأمر كذلك. الظروف مختلفة. يومها وُضعت أمام خيارين: إما ان أقبل ما يحدث او أرفض، وقد رفضته بوعي. كقائد للجيش، طرح عليّ الأميركيون (ريتشارد مورفي وديفيد نيوتن وديفيد ساترفيلد) أن فلاناً سيكون رئيساً للجمهورية، وطلبوا مني تأمين إجراء الانتخابات، وحاولوا إقناعي بأنهم بذلوا جهوداً جبارة لاقناع دمشق بالأمر، وهذا لم يكن صحيحاً، لأن السوريين هم من رشحوه. «كانوا جايين يضحكوا عليي». قلت لهم: ليست المرة الأولى في لبنان التي ننتخب فيها رئيساً، وكلنا يعرف أن موظفاً من الدرجة الثالثة في السفارة الأميركية «بيعمل» رئيس، وأن السوريين وحدهم «بيعملوا» رئيس، ولكن احفظوا لنا قليلاً من ماء الوجه ليقال إن اللبنانيين انتخبوا رئيسهم. أعطونا شهراً او شهرين. نعلن مهلة انتخابية للإعداد. ومن يرد ان يترشح يفعل، ومن ينجح فليكن، لأننا لا يمكن أن نعترف علناً، لكم أو لغيركم، بأنكم من تعيّنون الرئيس مهما كان السبب. كان جوابهم: لا.That is a Deal! بما معناه: ليس أمامك إلا أن تقبل أن تمسح نفسك وتمسح الشعب اللبناني من دون أن تحفظ ماء الوجه. قلت لهم: طالما أنه Deal، إذاً نفّذوه وحدكم. لولا ذلك ما الذي كان بقي منا؟

■ كم تغيّر الغرب من وقتها حتى الآن؟
ــــ «انتزع» (فسد) أكثر. باتت حقوق الإنسان ورقة تواليت يتاجرون بها.


حزب الله مع التوازن
والشيعة تعلموا من أخطاء الموارنة والسنّة
■ كيف تستعيد مرحلة القرار 1559؟
كنا نسعى الى قرار من مجلس الأمن بتطبيق القرار 520. كنا نعمل في اتجاه معين فصدر القرار في اتجاه آخر. هناك بنود تخرق سيادة لبنان مثل مسألة رئاسة الجمهورية، وهذا تدخّل سافر في دستورنا لأن رؤساء الجمهورية الآخرين مددوا لأنفسهم حتى سميناها «جمهوريات المغّيط».

■ لكن القرار مرتبط في أذهان الناس بنزع سلاح المقاومة؟
ــــ لم يكن هذا ما كنا نسعى اليه. في اللقاء مع لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، تكلم أحد الأميركيين عن أن حزب الله منظمة إرهابية. فأجبته بأن ليس في لبنان منظمات إرهابية، بل دول إرهابية. وقلت إننا لا نريد أن نفجّر حرباً أهلية. اكتشفت أن هناك فخاً. القرار 1559 كان مشبوهاً.
النقيب عون ــ 1966 (المزيد من الصوَر)
أنا خرجت من لبنان لأنني حاربت السوريين، والغرب يريد مني أن أعود الى لبنان لكي احاربهم مجدداً! في تشرين الثاني 2004، دعينا الى احتفال لمناسبة استقلال لبنان في باريس. ودعونا اللبنانيين، موالين ومعارضين، الى مؤتمر لمناقشة الوضع في لبنان بعد الانسحاب السوري. وزّعنا الدعوات. الرئيس الراحل رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط، استقبلاً من سلمهما الدعوة بأسلوب ساخر. أحدهما قال: أي انسحاب؟ لسنا قادرين على أن نخرج السوريين إلى ضهر البيدر! قطعت الأمل، فنصحني الوزير السابق كريم بقرادوني بأن أتصل بالسوريين لكي يضغطوا على اللبنانيين للمشاركة. كتبت رسالة الى الرئيس بشار الأسد في 2 كانون الثاني 2005 (نصّها مرفق وتنشر للمرة الأولى) للبحث في التفاهم على عدم تفسير القرار 1559 بما لا يحتويه، وطلبت مشاركة موفد من دمشق في اللقاء لتبديد أي هواجس سورية. الرسالة أوصلها أحد الأصدقاء، غابي عيسى، وهو التقى لهذه الغاية نائب وزير الخارجية السوري آنذاك وليد المعلم. كان هذا قبل 14 شباط 2005 وقبل التفاهم مع حزب الله. كنت متحمساً لانعقاد المؤتمر، حتى إنني كتبت مسودة للبنان الختامي، وفيه نشكر سوريا على كل ما قدمته إلى لبنان. كان هذا مخرجاً مشرفاً لسوريا، ولأنني أؤمن بأن سيادة لبنان تستأهل أن نفعل ذلك.

أنا في محور المقاومة ضد «داعش» واسرائيل و بين الشرق والخط الأميركي اخترت جذوري


■ إذاً تتبرّأ من القرار 1559؟
ــــ كنت أؤيده لسبب واحد، هو أنه يؤمن خروج السوريين من لبنان، لكنه في جوهره كان يرمي إلى أمور أخرى. عاتبني سفير أميركي مرة على التفاهم مع حزب الله، أجبته: البند العاشر في التفاهم يحكي عن الاستراتيجية الدفاعية التي تنزع سلاح حزب الله. «شو بدك أحسن من هيك»؟ أنا أطبّق القرار 1559. بقيتم 22 عاماً حتى نفذ القرار 425 بالقوة. أعطونا كم سنة حتى ننفّذ القرار 1559.

الموقف من المقاومة
■ متى قمت بمراجعة موقفك من حزب الله؟
ــــ هناك نقطة لم تكن تحتاج الى مراجعة بل الى توضيح تتعلق بالدولة الدينية. كنت في فرنسا ولم أكن أعرف الأشخاص، لكنني، أساساً، مقاوم عن قناعة، وأكثر من يعرف ذلك هو السيد حسن نصر الله. قبل عودتي من المنفى، سُئلت في مقابلة على قناة «المنار»: إذا شنت اسرائيل حرباً على لبنان، فمع من ستكون؟ أجبت مستغرباً السؤال: بالتأكيد مع المقاومة ومع وطني. قلت ذلك ولم أكن أعرف ميزان القوى العسكرية على الأرض. وهذا الموقف كان قبل توقيع ورقة التفاهم. أصلاً، في الورقة ما من تفاهم على الموقف من الحرب، ولكن عندما بدأت حرب تموز 2006 اتخذت موقفي، لأن القذائف التي تسقط تقتل لبنانيين.

■ من الخارج، هل كنت ترى أن كلام المقاومة عن قدرتها على التصدي لإسرائيل مبالغ فيه؟
ــــ برغم أن العالم كله كان ضد المقاومة، كنت اول سياسي في لبنان، في حرب تموز، من يقول إن حزب الله سيربح. قلت ذلك بعدما تعرفنا على الحزب وعلى بيئته. سئلت في مقابلة يومها على قناة «الحرة» الأميركية، عن كلام السيد عن الحرب المفتوحة، فأجبت بأن حزب الله هو الأفضل، ولذلك سيربح في الحرب المفتوحة.

الغرب «انتزع» أكثر وحقوق الإنسان باتت ورقة تواليت
يتاجرون بها
قلت ذلك على قاعدة أن الإنسان هو من اخترع الآلة، وهو من يعطّلها. والأميركيون يدركون ذلك جيداً بعد تجربتهم في فييتنام.

■ وقت توقيع التفاهم، هل كنت تستشرف ما وصلنا اليه اليوم؟
ــــ يومها حدّدت خياراتي. إما أن تختار الخط الشرقي، أو أن تختار الخط الإسرائيلي ــــ الأميركي. توجهت شرقاً، لأن جذوري هنا، ولست من مخلّفات الغزوات الصليبية.

■ ألا يحرجك السيد حسن نصر الله عندما يعلن أن المقاومة ستكون حيث يجب ان تكون، وعندما يقاتل حزب الله في سوريا، ويرسل خبرات الى العراق؟
ــــ أنا عسكري وتاريخي جيد في الأكاديميات وميدانياً. الشاطر هو من يحارب خارج أرضه. سبب «التعصيب» الاسرائيلي اليوم أن الحرب وصلت إلى أرضهم، بعدما كانوا سابقاً يضربون أينما ومتى شاؤوا. «القبضاي» يحارب خارج أرضه. سابقاً، كنا إذا دخل أحد أرضنا نقفز عن صخرة الروشة. «داعش» و»النصرة» صارا على حدودنا، ودخلا إلى أرضنا. لا يمكن أن نفصل العراق عن سوريا أمنياً، ولا سوريا عن لبنان. ألم يأت فيلتمان وليبرمان الى وادي خالد للاستطلاع؟ في السياسة، يمكن القول إنه ممنوع التدخل أو القتال في الخارج، ولكن هل استأذنونا عندما استخدموا مرفأ طرابلس (باخرة لطف الله). في الغبيري، كان قديماً تاجر مواش. عندما كانوا يريدون أن يضعوا أختاماً على البقر والثيران كانوا يعدّون لها الطعام. وفيما هي تأكل يحمّون الختم و»يلطشون الثور من ورا فيجعر، ثم يرجع ويحطّ راسو بالأكل»؟ وهكذا كل بمفرده. لا يختمونها كلها معاً حتى لا تثور. وهناك «ناس متل البقرات» ما بتشوف الخطر طالما هو لا يؤثر فيها شخصياً.

■ تفهمت باكراً هواجس حزب الله؟
ــــ (مقاطعاً) «أوعا حدا» يقول هواجس حزب الله. هذه هواجسي أنا.

■ إلى اي مدى يُترجم ما تقوله قناعات في القاعدة المسيحية؟
ــــ تحسنت النسبة الى حد كبير.

■ هل تصنف نفسك اليوم في محور المقاومة؟
ــــ أكيد في محور المقاومة ضد «داعش» واسرائيل.

■ ومع أولويات المقاومة؟
ــــ «داعش» أولوية. الخطر سائر في اتجاهنا.

■ ألا تخشى مما يسمّى فائض القوة لدى الشيعة اليوم؟
ــــ اظن ان فائض القوة هذا مستوعب شيعياً. تعلموا من أخطاء المارونية السياسية والسنية السياسية. لا أخشاه لأسباب عدة، منها نشأتي ومعرفتي بالناس ومعاشرتهم. السيد حسن نصر الله مع التوازن.