لا تحتاج الطريق الجديدة إلى الأعلام ولا إلى صور الحريري (الأب أو الابن) لنعرف أنها تلتصق بلونٍ واحد. لن ترى اليوم كل تلك اللافتات المكتظة بعدما أزيلت. حركة الشارع مزدحمة كعادتها وأحاديث المارّة تُصاغ بلكنة بيروتية محبّبة. مرّت أحداث كثيرة في المنطقة التي لا تبعد عن الضاحية سوى مئات الأمتار.

الخوف متبادل؟ لن يقصد أحد من سكّان الطريق الجديدة الضاحية إذا لم يكن هنالك سبب اضطراري والعكس صحيح.

هذا ما نعتقده على الأقل. لكن حسين رمضان، صاحب محل عصير رمضان (الشهير)، لم يسمع بذلك كله في منتصف التسعينيات. رمضان هو مخترع الـ«كاتيوشا»، رغم خلوّ الأخير من مواد متفجرة! لم يقتصر زبائنه على أهل المنطقة بل استقطب شبّان الضاحية كما يقول «أبو فاروق»، الذي صنع لنفسه دكاناً في سيارة الـ«Rapid». فتح الخمسيني البابين الخلفيين ووضع علب الشوكولا بعناية، وفي معرض حديثنا عن «رمضان»، وجد نفسه معنياً، فأشار إلى أنه كان يحب رمضان كشقيقٍ له، ورمضان بدوره كان يحب الناس وأهل المنطقة كما يقول. كم يبدو هذا رائعاً. «تعايش» حقيقي، بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، بحيث إن رمضان، بشهادة أبو فاروق البيروتي «آدمي». والمشكل وقع في 7 أيّار. المشكل كان سببه «فريخات»، يقول بروح الرجل الطيب المحبّ للمدينة وناسها.
يشتكي من أن حال البيع والشراء اختلفت منذ حينها. فقدت الطريق الجديدة جزءاً من زبائنها، ويقصد هنا سكان الضاحية، الجيران. يجب الفصل بين ما يحدث في صالونات الكبار وما يحدث في الشوارع، يقول، فيما تلمع الشمس على صورتين للشهيد وسام الحسن ووزير العدل أشرف ريفي، صامدتين على شباكي دكّانه المتنقّل. يشاركنا في الحديث خليل عبد الصمد الذي يملك مصنعاً للألبسة. يقصد الضاحية يومياً مع ابنه لتوزيع بضاعته هناك. ومثل أهل الضاحية، يتأفف من الحواجز الأمنية، لكنه يتفهّم الظروف. يشعر هو الآخر أن حركة الاندماج بين زبائن الضاحية والطريق الجديدة ولّت. يأسف الرجل لترك رمضان المنطقة وانتقاله إلى «سبيرز». رمضان انتقل ولم يمتنع عن زبائنه ولم يمتنعوا هم عنه بدورهم. أما مطعم الـ«Boys» فكان أول من استقدم الطبق «المكسيكي» إلى الطريق الجديدة، وربما إلى بيروت. جذب طبقه الجديد زبائن من الضاحية، وكان يرسل «طلبيات» إلى المنطقة. بدأت «الطلبيات» تتراجع مع ارتفاع التوتر السياسي بين الفريقين. أوقفت إدارة المطعم خدمة الـ«ديليفري» إلى الضاحية وتوقف هؤلاء عن تناول الـ«بوريتو». أفلس المطعم الذي يقع قبالة الملعب البلدي، وأغلق منذ أكثر من ثماني سنوات، كما يقول جيرانه. أما حلويات صفصوف التي ما زالت صامدة منذ الـ75، فيأسف صاحبها بديع صفصوف لفقدانه بعض الزبائن الذين اعتادهم. حدث ذلك بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وساهمت في ذلك الأحداث المتتالية أيضاً. يردّ رجل يتناول كعكة كنافة: «أنا شيعي». في إحدى المرات، كان صاحب المداخلة قد تعرّف إلى زوجته في إحدى زياراته لمحل الحلويات، ويسكن الآن في الطريق الجديدة. يأسف صفصوف بسبب الحال التي وصلت المنطقة إليها اليوم.
وكان من أكثر ما استقطب زيارات أهل الضاحية للمنطقة «الزرقاء»: الملعب «الأخضر». الملعب البلدي يتبع لبلدية بيروت، لكنه يعتبر ملعب فريق الأنصار «عرفاً». وكان يأتي من الضاحية الذين يشجعون فريق النجمة. وكان في الطريق الجديدة مشجعون للنجمة أيضاً. وكان فيها، أي الطريق الجديدة، غالبية أنصاريّة. ولكن، «عرفاً»، النجمة للشياح، والأنصار للطريق الجديدة. وربما لذلك كان يحدث التكسير «المذهبي»، الذي كان «مضبوطاً» رغم كل شيء، كما كان كل شيء في البلد، قبل 2005. والضابط، كان معروفاً.
إذن، كل ذلك كان قبل الانقسام السياسي الذي أحدث 8 و14 آذار، وقبل منع الجمهور عن حضور المباريات. ثم ظهر «العهد»، و«قضم» من جمهور النجمة. وكان لفريق العهد مباراة هناك، فرمى أهل المنطقة الباص الذي يقلّ لاعبي النادي بالحجارة. وبذلك لم يخوضوا أي مباراة فيه بعدها لاتخاذ الاتحاد اللبناني لكرة القدم قراراً بذلك. في الأساس، أعيد تأهيل الملعب عام 2000 لإجراء مباريات كأس آسيا فيه، لكنه لم يصمد أكثر من بضع سنوات، فأحداث 7 أيار تسببت في حرق عشبه الاصطناعي. عوّضت الخسائر وقتها، لكن الأهم أن البلدية تنوي إغلاق الملعب، وإغلاق ذاكرة أهلهِ. تخطط لتحويله إلى مرأب للسيارات. يبدو ذلك منطقياً نسبة إلى اكتظاظ المنطقة وحاجتها إلى مشروع كهذا، ولا سيما أن الملعب سينقل إلى منطقة «حامية» أخرى، وهي حرج بيروت. (الحرج المغلق طبعاً).
وعلى غرار الملعب، هناك جامعة بيروت العربيّة، وهي معلم أساسي في المنطقة. في الجامعة، ثمة معلم داخل المعلم، حيث يقلع الطلاب في «ضاحيتهم» بمبنى إدارة الأعمال. اليوم، وجد طلاب الضاحية «مخرجاً» مقترحاً، واستناداً إلى اعتقاد كثيرين، لم تعد «العريبّة» أول خياراتهم، بل صاروا يذهبون إلى «الجامعة اللبنانيّة الدوليّة»، التي أسّسها الوزير السابق عبد الرحيم مراد. لكن، في الـ«LIU»، لا يوجد محل قريب للعيسى الفوال، ولا «أكشاك» قريبة لبيع الصحف. لا يوجد ذاكرة لنضالات مشتركة في جامعة واحدة افتتحها جمال عبد الناصر.