الحق الذي يتفق عليه كثيرون هو أن سمير قصير ــ على عكس آخرين ــ كان واضحاً في مقاربته لمسألة 14 آذار. وهذا ما يعرفه الذين أحبّوه والذين لم يتفقوا معه. وإن كانت 14 آذار تستحق أن توضع في مصاف الحركات التاريخيّة، فذلك يعني أنه كان لها منّظرون، وسمير قصير هو واحد من هؤلاء، أكثرهم راديكاليّة. إنه كما وصفه الصحافي والكاتب وسام سعادة ذات يوم: «تروتسكي المعارضة اللبنانيّة».


أراد قصير للثورة أن تكون «ثورة» فعلاً، وأن تكون «دائمة» بالمعنى التروتسكي للثورة. والحق أيضاً، كما يؤكد عارفوه، أن سمير قصير، عندما أوقف عن أحلامه في ذلك النهار المشؤوم، على ناصية الطريق في الأشرفيّة، كان ذاهباً إلى «اجتماع عمل» مع أصدقاء له في شركة «ساتشي»، وإن كانت طبيعة عمل الشركة الرائدة في مجال الدعاية والإعلانات على نقيض كل ما يمكن أن يكون تروتسكياً، من الناحية النظرية على الأقل. «ساتشي» مؤسسة بطبيعة رأسماليّة تعمل لمصلحة «القطاع الخاص»، وتعتبر أنه يعمل لأجلها، وهذا ما لا تنفيه الشركة، التي تعتبر أن الرأسماليّة هي روح هذا العالم.
في جلسة هادئة، مع أحد «صانعي القرار» في «كوانتوم»، ــ «كوانتوم» هي «الجناح السياسي» لشركة «ساتشي» التجاريّة ــ أخبرنا جان بيار قطريب فصولاً مهمة من رحلة «ثورة الأرز». لا يحب أي دمج بين «الجناحين» التجاري والسياسي، وهذا نابع من مبادئ الشركة في الأساس. الشركة عالميّة، ولا يمكن زجها في سجال «محلوي» كمسألة 14 آذار، من دون أن يلغي ذلك ضرورة المشاركة في «انتفاضة الاستقلال» والتورط بها، لدرجة حبك ذلك الثوب البراق الذي ارتدته المعارضة اللبنانيّة خلال تلك الفترة. والحكاية يجب أن تبدأ من هنا: «سمعة ساتشي مهمة وعالميّة»، يقول قطريب، الذي يعتقد أنه يجب التمييز بين البروباغندا والرسالة. وبطبيعة الحال، لا يرى قطريب أن «روح 14 آذار» كانت حالة بروباغنديّة، بل يعتبرها «رسالة». يبدو نوستالجياً وصادقاً فيما يقول، خصوصاً عندما يعترض على دور «الأخ الأكبر» (استناداً إلى رواية جورج أوريل) في ملاحقة الأفكار. الأهم من هذا كله، أنهم في الشركة وجدوا «14 آذار» تلك «اللحظة التاريخيّة»: الشرارة. وفي عالم الدعاية كما في الواقع: لا يمكن أن تشعل حريقاً بلا شرارة. الدعاية هي بناء واقع بديل، أو واقع فوق الواقع. ويمكن الحديث مطولاً عن دور الشركة في صناعة الدعاية... لخدمة «الرسالة». لدينا الوشاح الأحمر الشهير الذي ارتداه الشهداء قبل اغتيالهم، والناجون الحزانى على الشهداء. لدينا «زووم إين، زووم آوت». تورطت الشركة في المشهد كاملاً. لدينا شعار «استقلال 05» الشهير أيضاً، وقطريب يلفت هنا إلى أنهم تجنّبوا شعار «انتفاضة الاستقلال» كي لا تشترك التسمية في ذاكرة مع الانتفاضة الفلسطينيّة. وتجنب مثل هذا «الاشتراك» الضروري للانتفاضتين. لدينا اليد البيضاء التي تقبض على نبتة. وهي نبتة لطيفة تشبه القنب الهندي وإن كان الشبه غير مقصود إطلاقاً. هذا كله على حساب الشركة التي آمنت بالثورة أو بما يشدد قطريب على تسميّته بـ«مبادئ 14 آذار».
نسأل السيد قطريب عن الفارق بين «الدعاية» وبين «الرسالة»، فيجيب: «14 آذار كانت لحظة عفوية». يوحي الحديث هنا، بأنهم في الشركة، كانوا يعرفون جيداً، إلى أين كان يمكن أن يذهب الشارع، أو أين ينتهي الشارع، والأصح من هذا كله، يعرفون جيداً إلى أين قد يقود السياسيّون شارعاً عملاقاً كهذا الذي ظهر فجأة. واليوم، وبعد كل شيء، برأي قطريب «انطفأ كل شيء». ما زال يؤمن بالمبادئ التي حدثنا عنها، وهي مبادئ امتلأ بها الشارع في أية حال، غير أنها «لم تستكمل». لا يعني ذلك أن الشركة توقفت. صحيح أنها «لن تصمم اعلاناً لحزب الله حتى لو كان مدفوعاً»، كما يشير قطريب، إلا أنها صممت أخيراً لوغو جديداً لمحطة «OTV» (التي أصبحت خارج 14 آذار). لماذا تقولون لا لحزب الله؟ يجيب قطريب: القصة قصة مبدأ. لديهم مبادئهم ومبادئ الحزب مختلفة. والحق أيضاً، أن قطريب يبدو محقاً في هذا. ماذا ستصمم «ساتشي» (أو «كوانتوم») لحزب الله؟ هل سيستبدل حزب الله لافتات «القادة الشهداء» بالضاحية الجنوبيّة بلافتات «أنا أحب الحياة»؟ يعرف المقرّبون من الحزب أن هذا تقريباً مستحيل. وتعليقاً على حملة «آي لوف لايف» الشهيرة، يؤكد قطريب أنها موّلت من «مستثمرين في القطاع الخاص لإنعاش البلاد بالمعنويات بعد حالة الإحباط الناتجة من حرب تموز». إذن، قطريب محق.


هل سيستبدل حزب الله لافتات «القادة الشهداء» بالضاحية الجنوبيّة بلافتات «أنا أحب الحياة»؟

لا يمكن لحزب الله أن يعمل مع «ساتشي» أو على الأقل، أن «يحبّ الحياة»، على طريقتها. لديه مبادئه هو الآخر، وبدوره يستخدم البروباغندا لتعميمها، حتى أن جولة قصير بين مريديه، في ذكرى «عاشوراء» مثلاً، تثبت الشعارات التي يريدها هؤلاء. وتلك نقطة مفصليّة أخرى، بحيث أن قطريب العارف بخفايا لعبة الدعاية، يعرّف الشعار، أو الحملة الدعائية، على أنها غير معدة للاستقطاب، بل لتثبيت قناعات موجودة أصلاً. سؤال آخر: بفضل حملات الشركة الدعائية... هل اكتشف اللبنانيّون أنفسهم، فجأة، في 14 آذار؟ والحديث هنا، عن القادمين من الشمال الفقير، إلى جانب «مدام شارباتي» من الأشرفيّة، والمعترضين من البقاع الأوسط، صحبة حملة «أعلام الصدم» في القوات اللبنانيّة، والمهللون «حريّة سيادة استقلال». هذا الكم الهائل من التناقضات كان مقموعاً من الوصي ذاته ولا خلاف على ذلك، الشارع لا يعترض ليعترض. لكن، منذ البداية، خططت الشركة الدعائيّة لاستبدال كل التناقضات، بشعار واحد جامع. وعملياً، لم يكن دور الدعاية أن تقود الحراك. لقد نظرت له، لقد صنعته بحرفة وإتقان. وعندما انسحبت منه، انهار.
إذن، عودة إلى السؤالين الأساسيين. القول إن 14 آذار لحظة استلاب، لا يعني رفضها، أو رفض المشاركة فيها. لقد اندفع السياسيّون خلف الناس في ذلك اليوم. والناس كان بينهم أكثر من جدار وقد اصطفوا كل خلف جداره، نظراً إلى التركيبة اللبنانيّة التي تم صوغها بإحكام بعد اتفاق الطائف. الجنرال ميشال عون في فرنسا. قائد القوات اللبنانيّة سمير جعجع في السجن. حزب الكتائب اليميني خسر الحرب. سُحبت ثورة الفلسطينيين من التداول. لم يجد اللبنانيون أنفسهم تحت الوصاية فجأة، تمرّنوا على تبعات الاستبداد حتى انفجروا. كانت أوزار الاحتلال السوري متفاوتة بين منقطة وأخرى، دائماً حسب التركيبة التي تم صوغها. لقد نزل أصحاب الشارع إلى ملعبهم اعتراضاً، وكل لديه أسبابه لكي يعترض. مهلاً: هذا استلاب آخر، ويمكن أن يكون العكس هو الصحيح؟ لقد نزلوا ضدّ كل شيء ولم ينزلوا مع شيء. ولكنه استلاب «لا بدّ منه». الحقيقة الثابتة أنه كان لا مفر من النزول إلى الشارع البيروتي ذات يوم، كما حدث في برلين في 9 تشرين الثاني 1989. في شريط «حياة الآخرين»، لفلوريان هنكل فون دونيرسمارك، «قرر الناس أن يأخذوا نزهة إلى الجانب الآخر من الجدار»، وفي طريقهم أزالوا حائط الاستبداد إلى غير رجعة. أما هنا، في مدينة الهويّات الملتبسة، توقف المشهد على صورة واحدة. صورة «من فوق» لـ14 آذار 2005. وباعتقاد كثيرين، بعد رحيل سمير قصير، لم يبقَ سوى «الجانب المظلم من القمر».